يقول الأنبابى:"المراد من طلب خفضه جناح الذل لهما طلب تذلله لهما وتواضعه بأن يكون شبه على طريق المكنية الذل والتواضع لهما بطائر في سرعة التحول عن محله توطينًا لنفس المخاطب على تلقى الأمر بملابسته من أجل والديه بالقبول، وبشارة بسرعة ملابسته، فالجناح تخييل، وخفضه ترشيح، والمراد بطلب خفضه لهما جناح الذل لازمه، وهو ما علمت. وفيه على هذا تصوير المعقول وهو الذل والتواضع لهما بصورة المحسوس وهو الطائر، أو يكون قد شبه على طريق المكنية أيضًا ذله وتواضعه لهما بإشفاق الطائر وتعطفه على أولاده، أو بتعب الطائر ووهنه بجامع أن كلًا يلزمه عادة خفض شيئ من البدن، فإن الطائر عند كل من حالتيه المذكورتين يخفض جناحه ويلقيه على الأرض، والإنسان عند تواضعه يطاطئ من رأسه ويخفض من يديه، والجناح لكونه من الأمور الملابسة للحالة المشبه بها تخييل، والخفض ترشيح لذلك، والمراد بالطلب ما علمت فتدبر."
وقد أشار إلى الوجه الأول القاضى البيضاوي تبعًا لصاحب الكشاف ..." [1] "
"قال العلامة القونوي في حواشيه: كذا قالوا، ولا يخفى عليك أن الذل نفسه لا يشبه الطائر، بل يشبه انحطاطه، فالأولى أن يقال شبه المتواضع بالطائر المنحط من علو في الانحطاط عن مرتبته اللائقة، وهذا التشبيه يتضمن تشبيه الذل بانحطاط الطائر ... وقيل المراد بخفض جناحى الطائر ما يفعله إذا ضم فراخه للتربية، فخفض الجناح هنا كناية عن حسن التدبير في معاملتهما كأنه قيل للولد: اكفل والديك بضمهما إلى نفسك ضمًا معنويًا كما فعلا ذلك بك حسيًا، فيلائم أشد الملائمة لقوله تعالى: { ... كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [2] "
والأنبابى هنا ينقل عن العلامة القونوي ما ذكره حول الاستعارة في الآية، ولم ينقل عن حواشى البيضاوي الأخرى كحاشية شيخ زادة، أو حاشية الشهاب، أو غيرهما، وكأنه يتفق معه فيما ذهب إليه من تشبيه المتواضع بالطائر المنحط من علو في الانحطاط من مرتبته
(1) ينظر حاشية الأنبابى ص 182.
(2) ينظر السابق ص 182 نقلًا عن حاشية القونوى في تفسير الآية (24) من سورة الإسراء.