على هذا المجرم حمايتهم، فأرسلوا جماعة من الفرسان لحراسته [1] ، وهو في طريقه إلى العراق، ومعه من أهل بيته اثنان وعشرون.
البهاء يمهد للفتنة في العراق: استقر البهاء في بغداد، فجد يعبد لنفسه السبيل إلى زعامة البابيين الذين فروا إلى العراق. وكان جلهم يدينون بزعامة يحيى. وهذا مما جعل نفس أخيه البهاء تمور بالكراهية له، وتغلي بالحقد عليه، ويستفزها دائمًا إلى الكيد بغية القضاء عليه. فكان أن شجر النزاع بين عصبته القليلة، وبين عصبة أخيه يحيى، وكان أن جاء كبار زعماء البابية إلى البهاء، يذكرونه بنقائصه التي تشينه كرجل، وكإنسان، فلم يجد البهاء بدًا من الفرار، حتى تسكن ثائرة هؤلاء، ويستطيع بعيدًا التفكير في مؤامرة جديدة يقضى بها قضاء مبرمًا على أخيه يحيى وجماعته.
وفر اللئيم إلى بادية السليمانية بالعراق، وما عليه سوى رداء واحد. وعلى شعاف جبل سركلو في كردستان العثمانية، وفي مغاراته السود كان الناس يرون ضِبْعانًا أشعث أغبر في مرقعات الدارويش البله تشمئز الجواء من نتنه الكريه، وتنساب من تحت مشفريه هينمة مبهمة غامضة تثير في النفس الفزع، إذ كانت أشبه ما تكون بفحيح صل أسود لاحت له حمامة وديعة!
إنه البهاء يخاتل مكره بأوراده الصوفية، ونفاق زهادته المدعاة!
وشم علماء السليمانية - وأكثرهم من أهل السنة - من حديث البهاء نتن كفره، فهموا به، ففر، وعاد مكرها إلى بغداد. ويقص البهاء قصته في السليمانية، فيقول:"إنه أقام في صحاري الفراق، وصرف سنتين وحده في فيافي الهجر، وجرت من العيون عيون، ومن القلب بحور ومياه، فكم من الليالي لم أملك فيها قوتا"ثم يفتري كعادته الكذب - وما أوقح جرأته فيه - فيقول:"وأخيرا صبرنا إلى أن صدر الحكم من مصدر الأمر بالرجوع، وقد امتثلت" [2] يزعم الكذوب أنه ما أعاد إلى بغداد إلا بوحي من الله، وأمر صريح منه. على حين يذكر كتاب البهائيين"مقالة سائح"كذبة أخرى، فيزعم أن نفرا من البابيين أسرعوا إلى البهاء في تلك
(1) ص 126 إشرافات. والذي سجل هذا هو البهاء نفسه، ولكن أتباعه يكذبونه - وهو معبودهم - إذ يقول صاحب مقالة سائح، وهو بهائي متعصب أن البهاء بعد ثبوت براءته استأذن في المهاجرة لزيارة المشاهد المقدسة بالعراق، فأذن له فرحل بإذن الملك وفي حراسة فرسان الملك! ص 39 مقالة سائح.
(2) (( ص 57 بهاء الله.