السرور، وهو يقص لأهله أنه قاد في الطريق أعظم نبي قاد العالم كله بهدى الله. وكان صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه في تواضع جليل جميل، فلا يميزه الوافد الغريب! وكان يحذر أصحابه من أن يعظموه، أو ينظروا إليه نظرة الأعاجم إلى ملوكهم وقد عاش حياته كلها يأكل من عمل يده، لا من سحت أعداء البشرية، ومستعبدي الشعوب.
عباس والجهر بدعوى الربوبية
وفي تلك الفترة جهر بدعوى الربوبية العظمى للبهاء بعد أن كان يهمس بها في حذر ورعدة. ويقيني أن عبدالبهاء هو الذي دفع بأبيه إلى هذا، فقد كان خبيرا بكل ما افتراه الذين ادعوا النبوة والألوهية والربوبية، وبما أفكوه من أدلة يضطبع بها الباطل؛ ليستر من عوراته لقد استوعب الداهية في فكره كل ما خلف هؤلاء من تراث ولا سيما أساطير الفلسفة التي استهوت المخابيل المفاليك من أمثاله، وخبل التصوف الممعن في الإغراق الذاهل عن الواقع والحقيقة، وحاول المواءمة بين متناقضات كل هذا كما نهل من الثقافة العلمية التي كانت تسود عصره. وبذل الجهد الخائب المضني في سبيل أن يؤيد بها صوفيته. كما كان على بينة من طرق الجدل الذي يتعمد ألا يصل إلى نتيجة، ومن منازع التشكيك الذي اصطنعته الإسماعيلية، وكان إذا اصطدم بمسلم صادق الإسلام قوي الحجة يحاول الفرار منه، فإن لم يستطع راح يقسم له أنه مسلم لا يمتري في دينه، ويقيم الأدلة على أن الإسلام الذي جاء به محمد: هو خاتم الأديان، وخير الأديان، معلنا براءته من كل ما ينسبه الناس إليه أو إلى أبيه من قول يخالف دين الله. ووجد البهاء نفسه قد صار تلميذا لابنه؛ فلم يملك سوى أن يمكنه من خطامه؛ وبهذا صار عبدالبهاء هو رب هذا الدين لا البهاء. وكان عبدالبهاء لا يأذن إلا لذوي المناصب الرفيعة في مقابلة أبيه، مشترطا عليهم التزام الصمت في محضره المقدس. فلا يسمع هؤلاء من البهاء سوى النجاوى الناعمة التي تتغنى بالحب والإخاء والسلام، فيظنون أنهم بين يدي ملاك جميل تخفق أجنحتة بالرحمة، دون أن يروا في عينيه نهم السفاح الذي يطحن عظام الأيتام بين أضراسه، وهو يلثم أيدي أمهاتهم.
بهذا المكر اللئيم استطاع عبدالبهاء أن يجد لأبيه من يؤمنون به، بيد أنه كان الإيمان المتباين الذي لا يدري بمن يلوذ، ولا بماذا يعتصم. فلم يكن أولئك المفتونون على عقيدة واحدة؛ لأن عبدالبهاء كان يهجس في مسمع كل منهم بما يرضى خياله وخباله. فمنهم من كان يعتقد أن البهاء مجدد ديني فحسب، ومنهم من كان يعتقد أنه داعية إخاء وسلام، ومنهم من كان يعتقد