فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 284

مشهد آخر: يقدم عبدالبهاء لكل زائر زهرة جميلة سحرية العبير من حديقته الرائعة، ويهتبل فرصة تصويب العيون إليه، فيغمس وجهه في أوراق زهرة من زهور الخزامى مسبلًا عينيه مترائيًا بأنه مستغرق في غيبوبة حالمة مغمغما بكلمات مبهمات. كأنما هو - كما يزعم البهائيون - يوحى إلى الزهرة بأسراره الروحية، وكأنما توحي إليه الزهرة بصلاتها في محراب الجمال، ويصنع عبدالبهاء مثل هذا أمام صحيفة غريبة جميلة ريانة الشباب، مسحورة بروحية الشرق، وعطر غيوبه السواحر؛ فتكتب عن هذا المشهد الذي أسر عاطفتها الرقيقة، فتقول:"إن الإنسان ليندهش عند ما يستنشق عبدالبهاء رائحة الزهور، حتى إنه ليخيل له أن زهرة الخزامى تخاطبه بأمرها عند ما يغمس وجهه في أوراقها، وكأن آذانه تجتهد في أن تسمع نغمة جليلة منها، وهي بكمال الإصغاء"هذه الشاعرية التي يذكى عبدالبهاء وهجها، وتوحي بأنه عاشق للطبيعة، يدرك أسرارها، وتدرك أسراره وتناغيه ويناغيها، هذه الشاعرية تستهوي قلوب الغربيين، ولا سيما النساء. وكان عبدالبهاء - كما سنعرف - على بينة من طبائع أولئك النسوة، ويعرف السبيل إلى مقاتلهن، فلا يغادرن مجلسه إلا وقد آمن بأن خيط العنكبوت الذي اصطادهن به ما هو إلا شعاع من النور يعرج بهن إلى أقداس الخلود، وبأن الخطايا التي يقترفنها مع هذا الرجل ما هي إلا سجدات الملائكة تحت عرش الله!

طنطنة فارغة: هذه الحرية الوسيعة الفسيحة التي كان ينعم بها عبدالبهاء يسميها عبدالبهاء: سجنا، ويمضي في تمجيد صبره عليه، فيقول:"لا تحزن من بلائي وسجني؛ لأن السجن جنتي العليا" [1] ولست أدري أي بلاء كان يكابده عبدالبهاء، وهو الذي كان يرفل في هذه المتع المسرفة في ترفها ووشيها ولهوها وغوايتها، ويكتب ما يشاء، ويصل ما يكتبه جهرة إلى من يشاء، وكان يجتمع بمن يشاء، ويسير مختالا في شوارع عكا ودروبها وأزقتها، ويقتحم نواديها وأسمارها بدسائسه ومؤامراته، ويغشى معابدها بنفاقه وريائه؟!

ولكن كان لابد لعبدالبهاء من أن يُعْوِل في شكواه؛ ليشرك في دك عرش آل عثمان، فهكذا كان يريد سادته.

نعم كان البغاة من آل عثمان يقترفون البغي والجور، غير أن البهائيين منذ أن رزئت بهم أرض فلسطين لم يلقوا عنتا إلا بضعة أسابيع قليلة؛ لما اقترفوا من جرائم، ولم ينكل بهم العثمانيون كما نكلوا بالعرب؛ هذا لأن الاستعمار كان يحمي البهائية، ويبسط عليهم رعايته، ويدع الحراب الباغية تصل إلى قلوب العرب، ويعين على هذا.

(1) ص 63، 64 بهاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت