بشرية واهنة: على أن الدعي الكذوب كان يغلبه الحق، وتهزمه فطرته، فينسى أنه قد ادعى الربوبية، أو النبوة، وأن روح القدس حالة فيه. وفي مثل هذه الحال يبدو لك عبدالبهاء في بشرية مستخذية تسحقها لمسة واحدة من تشاؤم أو مسة من قلق، فيقول مناجيا أباه:"إلهي إلهي تفتت كبدي واحترقت أحشائي في مصيبتك الكبرى، ورزيتك العظمى""الأرض ضاقت علي، وحياتي حسرات، وأوقاتي سكرات، وعزتك لا أقتدر على المناجاة، ولا أستطيع أن أذكرك في هذه البليات". ويقول:"لا تؤاخذني بما جرى من هبوطي، وقنوطي، وسقوطي. تركتني من دون ناصر أو معين" [1] . ولن يَسْتَنْشِىَ قلب عطرًا من روحانية الإيمان من هذا اليحموم. وفي قوله لمعبوده:"مصيبتك الكبرى الخ"سوء أدب وكفر لا يعرفه إلا أوشاب الحانة المعربدة، وفي قوله لمعبوده:"لا استطيع أن أذكرك في هذه البليات"تعبير عن حقد الكفر وسوئه، فإذا كان لا يذكره في مثل هذا، فمتى يذكره، أو من سواه يذكر؟ والحقيقة أن عبدالبهاء لا يعبر في هذا عن عاطفة صادقة، فهذه لا يشعر بها أبدا قلب يحقد على الله. وإنما كان يستدر عطف أشياعه واستثارة سخطهم على إخوته الذين كانوا يهتكون الستر عن سوء دخله! ترى أي مثل للتجلد، واحتمال المكارة يضربه عبد الاستعمار، ونحن نراه هكذا في سقوطه وقنوطه من رحمة الله بل شتمه لله، والبغي على جلاله؛ لأن إخوته ينازعونه على أمر حقير!
ضراعة النبوة: ولكي تستروح طهر الروحانية المثلى، وقداسة الإيمان الأسمى، أذكرك بدعاء النبوة الطهور عند الشدائد، كدعاء يونس عليه السلام - كما ذكره الله في القرآن - {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] . تضرع بهذا الدعاء، وهو في جوف الحوت، في أعماق البحر، تحت غياهب الليل، ظلمات بعضها فوق بعض، ولكن نور الإيمان القوي جعل منها صباح جنة. ودعاء زكريا: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] . لم ينس الله، ولم ينس دعاءه، ولم يقنط لحظة من رحمة الله؛ فالقنوط من رحمة الله كفر صريح. ودعاء خاتم النبيين في أشد لحظة مرت به في حياته:"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى قريب يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟"ثم تتجلى نفس الرسول في إشراقها الأعظم، فترسل النجوى هدى ونورا ويقينا وإيمانا كأنما تعتذر بها عن تلك اللحظة الهافية الآسية التي استشعرت فيها ضعفا وهوانا، فيقول صلى الله عليه وسلم:"إن لم يكن بك سخط علي، فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح"
(1) ص 202، 207، 212 مكاتيب.