لم تصنع سوى أنها ضمت إلى قافلة العبيد الأذلاء عبدا قزما، يتراءى بأنه رب وعملاق، كلما أراد سادته أن يتخذوا منه سخرة وملهاة!
التنزيه والتشبيه: يقول الإمام ابن تيمية - وهو يقرر عقيدة سلفنا الصالح في صفات الله:"ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته".
هذا، وقد جاء القرآن في الصفات الإلهية بنفي مجمل واثبات مفصل ومثال الأول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] . {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص] أما الإثبات، فآياته كثيرات في القرآن، وقد وصف فيها بأنه سميع بصير، قادر عليم، وبأنه استوى على عرشه. وقد آمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه بكل ذلك إيمانا لا يحاول الشك أن يدنو من قدسه، آمنوا به كما ورد؛ لأنهم ليسوا بأعلم من الله بما يجب له، فما نفوا عنه صفة أثبتها، ولا أثبتوا صفة نفاها، ولا سموه بغير ما سمى به نفسه. وبهدى الرسول الكريم اهتدى المتقون.
أما دين البهائية، فلا صلة له بدين، ولا بعقل؛ فإنه يصف الله بأخس صفات البشر، ويصف بعض أرذل البشر بأجل وأخص صفات الله ثم يأتي عبدالبهاء، فيقول: إنه سبحانه منزه عن التشبيه والتنزيه! وفي مناجاة لربه يذكر علة هذا بقوله:"لأن التنزيه شأن من شئون عبادك، والتقديس سمة من خصائص أرقائك، والتشبيه حقيقة منبعثة من أفكار خلقك، فالعزة والكمال والعظمة والجلال من خصائص أصفيائك".
وهذا القول يطابق دينه في تجرد الحقيقة الإلهية، فما ثم لها - وهي غيب مجرد - صفات حتى تنزه، أو تشبه، ويطابق دينه في أن الصفات التي وردت في القرآن لا تطلق على الله، وإنما تطلق على مظاهره: أي الأجساد البشرية التي تجسد فيها.
غير أننا نرى عبدالبهاء يقول في نفس الموضع:"ونثني عليك بالتسبيح والتقديس، يا من تنزه عن التشبيه والتنزيه؛ فكل تسبيح وتقديس وتنزيه وتمثيل وتشبيه، ذكر من حيز العجز والنسيان، وإنك متعال عن ذلك" [1] يثني على الله بالتسبيح وهو تنزيه، ثم يقول: إنه سبحانه منزه عن التنزيه!!
(1) (( انظر النصوص السابقة ص 221 مكاتيب. لا يشبه المسلم ربه؛ إذ ليس كمثله شيء ولكنه ينزهه عما نزه عنه نفسه: مثل(لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) .