فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 284

لأن حقائق الممكنات التي تفصلت، وتشعبت وتكثرت تحيط إحاطة تامة بشئون النقطة الأولى، أو الحقيقة الإلهية، بل إنها - أي الممكنات - هي عين الحقيقة. وهذا هو المراد من قول البهاء عن النقطة:"إنها دارت في كل بيت"أي ظهرت في كل حقيقة من حقائق الممكنات. أما قوله"على كل هيئة"فمعناه: أنها تتلبس بالصورة الجسيمة التي تلائم كل حقيقة.

والخلاصة: أن البهائية تكفر بأن الله خالق، ولا يغرنك التعبير عنه في كتبهم بأنه خالق؛ فمفهوم"الخلق"عندهم هو التصرف في الأشياء، فحسب، أو"الفيض"فإذا قرأت في كتاب بهائي كلمة"خالق"فليس معناه أن الله أنشأ الموجودات بعد أن لم تكن أو أنه أوجدها بعد عدم. وإنما معناه"المتصرف"أو"المفيض"، لأن كل حقيقة مجهولة من الأزل، ثابتة متحققة في غيب القدم، ولا يد لله في خلقها أو منحها فطرها. كذلك تدين البهائية بأن العالم لا أول له، وبقدم المادة. يدلك على هذا قولهم بالأعيان الثابتة، وقول أبي الرذائل السابق:"إن الفرد الذي تتجلى فيه تلك الحقيقة متحقق قبل التجلي ومستحضر موجود"،"وقول عبدالبهاء": هذا الكون اللامتناهي ليس له بداية ولا نهاية"وقوله:"لو كانت الكائنات عدما محضا، فلا يتحقق منه الوجود" [1] وتدين أيضًا بأن الإله لا يستطيع أن يغير شيئًا من نواميس الكون، فهو قد رأى أعيانًا ثابتة أمامه، لم يخلقها، ولم يعط لشيء منها فطرته، وقد رأى لكل منها استعدادًا خاصًا، ففاض على هذه الأعيان، أو قل: حل فيها. كذلك تدين البهائية بالجبرية المحضة التي تحكم السلوك الإنساني، وبالحتمية المطلقة التي تحكم نواميس الوجود، ولكن تلك الجبرية أو الحتمية لا ترجع إحداهما إلى مشيئة الله، فما له يد في هذا - تعالى الله - وإنما ترجع إلى طبيعة الأشياء، وطبيعة الإنسان، فقد كان كل شيء متحققًا ثابتًا باستعداده وقابليته قبل إفاضة الوجود. وعلم الإله البهائي بالأشياء - ومنها الإنسان - تابع لما تعطيه أعيانها الثابتة بما هي عليه في الأزل من الاستعدادات والقابليات والخواص. وإرادته - إن كانت له إرادة - لا تتعلق حتما إلا بما علم، وما علمه إنما هو تابع لمعلوم سابق على علمه، فأفاض الوجود عليها كما هي بخصائصها التي هي لها، والتي لم تخل منها أزلا، ولا تنفك عنها أبدا مثلها في هذا مثل الشكول الهندسية، فكما أنك لا تستطيع مطلقا أن تغير من خواص المثلث، أو تبدل فيها تبديلا معقولا، أو محسوسا، كذلك الإله البهائي المسروق من عدة آلهة أمشاج، فإنه لا يستطيع أن يغير، أو يبدل من طبيعة الأشياء، أو قابلياتها واستعدادتها. وهذا يستلزم الحكم على الله سبحانه بأنه ليس له من إرادة، ولا مشيئة، ولا اختيار، وأنه جل شأنه مجبور مغلوب على أمره، وأنه يحل في الأشياء، فتسيطر"

(1) (( ص 201 بهاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت