أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ: 29] فالحقائق الوجودية حروف وكلمات والحقيقة الإلهية هي الكتاب الحاوي لكل حرف وكلمة، ويقول أبو الرذائل:"إن مظاهر أمر الله كلهم مظاهر حقيقة واحدة، وهم جميعهم في حكم إنسان متفرد، ونفس مفردة. أولهم عين آخرهم، وسابقهم عين لاحقهم"ويقول عبدالبهاء:"إن الباء التدويني، هي الحقيقة المجملة الجامعة الشاملة للمعاني الإلهية، والحقائق الربانية، والدقائق الصمدانية، والأسرار الكونية، وهي في مبدأ البيان، وجوهر التبيان عنوان الكتاب المجيد - أي الكون - وفاتحة منشور التجريد، وإن الباء التكويني هي الكلمة العليا والفيض الجامع اللامع الشامل المجمل الحائز للمعاني والعوالم الإلهية، والحقائق الجامعة الكونية بالوجه الأعلى؛ لأن التدوين طبق التكوين، وهذا الرق المنشور - أي العالم - وحقيقة الزبور المحتوي على كلمات الوجود منظوما ومنثورا تلاه علينا الرب [1] الغفور تلاوة آيات الكينونة، إجمالا وتفصيلا، من حيث الإجمال من عالم الغيب إلى الشهود"هذه بعض نصوصهم المبثوثة في كتبهم المقدسة لديهم.
قالت البهائية - كما سبق بيانه - بالأعيان الثابتة، وزعمت أن وجود هذه الأعيان هو عين وجود الحقيقة الإلهية؛ إذ ما ثم إلا وجود واحد، ولا يتكثر، ولا يتعدد بتكثر أو تعدد صوره ومظاهر. مثله في هذا مثل فكرة الوجود المطلق الواقع تحت التصور والإدراك؛ فإنه يؤخذ في تعريف كل شيء؛ ولكنه لا يتكثر بهذا؛ وإنما يظل مفهومه واحدا مهما تكثرت الأجناس والأنواع والأفراد التي يؤخذ في تعريفها.
وقد تجلت تلك الوحدة أول ما تجلت بين الحقيقة الإلهية، وهي غيب، وبين نفسها وهي في تعينها الأول. يقول عبدالبهاء:"النقطة هي الألف التي هي باطن الباء وعينها وغيبها وتعينها، وتشخصها وتميزها في شهادتها"والألف اللينة هي الحقيقة الإلهية في مرتبة الأحدية، والباء يشار بها إلى أول الموجودات الممكنة. والنقطة هي الحقيقة الإلهية في تعينها الأول. وبهذا يحكم عبدالبهاء بالعينية التامة بين الوجود المجرد، والوجود المعين، أو بتعبير أصرح: يحكم على الخالق سبحانه بأنه: هو عين الخلق. وقد أفصح عبدالبهاء عن إيمانه التام بهذه الوحدة في قوله:"الباء ألف مطلقة إلهية في غيبها، وألف مبسوطة في شهادتها وغيبها، فاجتمعت الشهادة والغيب"
(1) (( الكلمة عند الصوفية يعبر بها عن كل موجود، وتقال عند البهائية أحيانا على المظهر الأتم الأكمل للذات الإلهية، وهو الحقيقة النورانية. انظر ص 126 إيقان، 79 مجموعة الرسائل، ولكلمة(الرب) تعريف صوفي وهو أنه (اسم للحق باعتبار نسب الذات الإلهية إلى الأعيان الثابتة من منشأ أسماء الربوبية كالرازق والخالق، وكل ما ظهر في الأكوان) 102 جامع الأصول.