فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 284

يقول أبو الرذائل:"لا يعرف، ولا يمتاز كلام الله من كلام البشر بفصاحته وبلاغته، ولا بشهادة الآثار العتيقة وبقايا مصنوعات الملل البائدة، ولا بالتلقي عن الآباء والأمهات والأكابر" [1] ومن ينكر غير أبي الرذائل أن كلام الله لا يتسامى إلى قدسه الأسمى كلام آخر في فصاحته وبلاغته؟! وقد احتشد لمعارضته قرون بلغاء الوجود وفصحائه، فدكت أعناقهم دون أقرب غاية؟! ومن ينكر غير أبي الرذائل أن من معجزات القرآن الإخبار عن أحوال الأمم الماضية بأخص مقوماتها الحضارية والاعتقادية والخلقية، وقد تضافرت النقول القطعية على صحة وصدق ما أخبر به؟ ومن ينكر غير أبي الرذائل وشيعته أن التوتر الحق الكامل الشروط دليل قطعي على أن ما في المصاحف التي بأيدينا اليوم، هو كلام الله الذي نزله سبحانه على خاتم المرسلين؟! لقد تحدى الله بإعجاز الفصاحة والبلاغة في قرآنه أعظم فحول البلاغة والفصاحة أن يأتوا بسورة من مثله، فقهرهم تحديه المعجز، وانداحوا أمامه صاغرين رغم تضافر القوى والدوافع التي كانت تدفع بهم، وتدعوهم إلى معارضته ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أمي لم يكن يجوب البلاد، ولم يكن يجوس خلال القرون يبحث، أو ينقب عن تاريخها البعيد، ولم يجلس إلى معلم يعلمه التاريخ، وكان - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته مهاجرا بالروح والفكر إلى فاطر السموات والأرض، لا يشرك الناس فيما يعبدون أو يسلكون، إلا أن يكون سلوك صلاح وخير، ولا تهفو بخواطره أو إحساساته منتديات القوم، فيسمع ما يثرثرون به، أو يجادلون فيه، أو يقصونه. ثم سيطر عليه الشعور بالفرار إلى الغار يتحنث فيه نشدانا لسكينة الروح وريحان القلب وثمت كان يبصر في عزلته الروحية والمادية، وفيما يرى ويسمع ويحس دلائل وحدانية الله وقدرته الغالبة، وحكمته البالغة وجلاله الأعظم، وجماله الأسمى، ونزل عليه الوحي، وكان مما نزل عليه بعض قصص القرون الأولى مما فيه عظة هادية، وعبرة شافية، ويخبر به قومه، فيشده الذين يجحدون بالحق مما أخبرهم به هذا الأمي الصدوق، ثم يفيقون قليلا، فتدفعهم عربدة الشرك إلى أن يضجوا على ما أخبرهم به الرسول ببهتان يعلمون أنه بهتان، ويقولون هذا القول الذي ذكره الله عنهم في القرآن: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] . ويرد الله عليه بالحق الذي يفحم: {قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 6] . وتدبر في كتاب الله الحق هذه المحاورة التي دارت بين رسول الله موسى، وبين عدو الله فرعون: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى - قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 51، 52] . فمن الذي علم

(1) (( 39، 41، 37، 119 الحجج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت