في الحكم على النازلة ما يسعفهم من الأحاديث، فيرجعون إلى الإجماع أو القياس المرتكزين إلى النصوص، أو إلى غيرهما من الأصول، قال الدكتور عبد العظيم محمود الديب رحمه الله تعالى: وكنا قد أشرنا إلى أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يتحرج، ولا يُقْدِم على الفتوى كعبد الله بن عمر، ومنهم من كان يفتي برأيه ويتوسع في ذلك كعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود. وكان ذلك نواةً لاختلاف الاتجاه بين التابعين،"فقد اتضح الفرق بين المنهاجين، واتسعت الفرجة بينهما: فمنهم من كان يفتي برأيه غير متوقف إذا لم يجد نصا، ولا فتوى صحابي، ومنهم من لا ينطلق في الاجتهاد إن لم يجد ما يعتمد عليه من السنة أو القرآن الكريم".
وكان اتساع الهوة بين المنهاجين نتيجة ظروف المجتمع التي أشرنا إليها، فقد رأى أهل الرأي أن أمر الحديث قد اتسع، ودخل مجاله من لا يخشى في الله إلاًّ ولا ذمة، فبعد أن كان الرجل تعروه رِعدة وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصبح الوضع والكذب وسيلة للدفاع عن الفِرق والأهواء. رأى أهل الرأي ذلك، فخافوا من أن يُزيَّف عليهم حديث، فكان اعتمادهم على الرأي أكثر من بحثهم عن الحديث.
ورأى أصحاب الحديث الفتن والأهواء، فخافوا، وتورعوا عن أن يقولوا برأيهم حتى لا تؤول هذه الآراء، أو يُقتدى بهم؛ فجعلوا كلَّ همهم البحث عن الحديث، والاعتصام به في مُدْلَهَمِّ الفتن.
ومن هنا ظهر أخص ما يميز هذا الدور وأعني به وجودَ نوعين من الفقه: فقه الرأي، وكان بالعراق، وفقه الأثر، وكان بالحجاز [1] .
وبناء على هذا التخوف من الفريقين والاختلاف بينهما في الأخذ بالأدلة وفهمها، لجأ زعيم كل مدرسة منهما إلى منهجية في التأسيس:
فأما ابن المسيب رحمه الله، فجمع فتاوى فقهاء الصحابة بالحجاز وأقضيتهم وجمع الأحاديث معتمدا على مسند أبي هريرة رضي الله عنه، واهتم بإجماعات أهل المدينة.
(1) مقدمة تحقيق نهاية المطلب في دراية المذهب، المقدمة/84 - 85، مرجع سابق.