فقوله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا عمير، ما فعل النغير"، جملتان صغيرتان لا يعدو أحدنا عن مجرد فهمهما الفهم الظاهر، لكن الإمام الشافعي رحمه الله غاص في المعاني، وسبر أغوار النص، فتفتقت عن هذه القريحة عدة مسائل فقهية استنبطها رخمه الله؛ واضْطُرِب في عددها: فقيل أربعين، وقيل ستين، وقيل أربعمائة، وقيل ألف وقيل غير ذلك. ومن ثم فإن على طالب العلم ألا يقرأ الأحاديث قراءة سطحية بل إنه مطالب بالتفقه فيها واستخراج الأحكام التي تحويها.
2 -ما نقلته سابقا عن ابن حجر الهيتمي رحمه الله:"وعن عطية قال كنت عند شعبة فقال يا أبا محمد إذا جاءتكم معضلة من تسألون عنها فقلت في نفسي هذا رجل أعجبته نفسه فقلت له نتوجه إليك وإلى أصحابك حتى تفتوا فما بقيت إلا قليلا حتى جاءه سائل فقال يا أبا بسطام رجل ضرب رجلا على أم رأسه فادعى أنه ذهب بذلك شمه فجعل يتشاغل عنه يمينا وشمالا فأومأت للرجل بأن يلح عليه فالتفت إلي وقال لي يا أبا محمد ما أشر البغي على أهله والله ما عندي فيه شيء أنت أنت فقلت يستفتيك وأنا أجيب فقال إني سائلك فقال سمعت الأوزاعي والزهري يقولان يدق الخردل دقا بالغا ويشم فإن عطس فقد كذب وإن لم يعطس فقد صدق فقال جئت بها والله ما يعطس رجل انقطع شمه وقال ابن عبد البر أراد الأعمش الحج فلما بلغ الحيرة قال لعلي بن مشهد اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك" [1] .
حاول العلماء جمع أحاديث الأحكام في كتب اشتملت على الأحاديث مرتبة على أبواب الفقه، ومنتقاة من المصنفات الحديثية الأصول؛ فالغاية من هذه الأحاديث هو الأحكام، ولذلك فهي منصبة على المتون محذوفة الأسانيد، قال عبد الله بن عبد
(1) الفتاوى الحديثية، ص 208، مرجع سابق.