فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 265

والذي يظهر والله أعلم، أن الترابط بين العلمين وحاجة كل منهما للآخر، هو الباعث على القول بأن كل محدث فقيه وكل فقيه محدث، إذ لا يتأتى للفقيه استنباط الأحكام إلا إذا كان معه زاد محترم من الحديث، كيف لا، ومبنى الاستنباط على النصوص، والسنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع؛ كما أنه لا يتأتى للمحدث أن يتكلم في متون الأحاديث وليس له زاد محترم من الفقه.

فأنى يستقيم حديث دون فقه أو يستقيم فقه دون حديث.

الفرع الأول: ليس كل فقيه محدثا ولا كل محدث فقيها:

نبه العديد من أهل العلم على أنه ليس كل محدث فقيها ولا كل فقيه محدثا، فكل علم له آلاته ومجاله، قال ابن دقيق العيد رحمه الله:"وسميته: بكتاب الإلمام بأحاديث الأحكام. وشرطي فيه أن لا أورد إلا حديث من وثقه إمام من مزكي رواة الأخبار، وكان صحيحا على طريقة (بعض) أهل الحديث / الحفاظ، أو أئمة الفقه النظار، فإن لكل منهم مغزى قصده وسلكه، وطريقا أعرض عنه وتركه، وفي كل خير" [1] .

فمن أدرك المفاتيح حاز العلوم، ومن حصل على مفاتيح العلمين كان فقيها محدثا، وقلما يجتمع ذلك في عالم، ومن يدعي إمكانية فتح بابي العلمين بنفس المفتاح فقوله مردود؛ فمن حاز مفاتيح الفقه عليه أن يشقى في حيازة مفاتيح الحديث، وكذلك من تمكن في علم الحديث، فعليه أن يتعب لتحصيل الفقه، وأما الجذع المشترك بين العلمين فهذا لا يخلو منه كلاهما كما سبق ذكره.

وقال الألباني رحمه الله: وبسبب تجاهل هذه الحقيقة صار عامة المسلمين لا يفرقون بين الفقيه والمحدث، فيتوهمون أن كل فقيه محدث، ويستغربون أشد

(1) الإلمام بأحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد، 1/ 46 - 47، تحقيق حسين إسماعيل الجمل، ط 2، (السعودية - الرياض: دار المعراج الدولية / لبنان - بيروت: دار ابن حزم، 1423 هـ -2002 م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت