وعلى هذا المعنى، فقل من سيكون فقيها، فشتان بين مجرد الفقه وبين العمل به وبثه بين الناس، فعن عمران المنقري، قال: قلت للحسن يوما في شيء قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء. فقال:"ويحك ورأيت أنت فقيها قط، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه" [1] .
فضائل الفقه كثيرة جمة، فبعد توحيد الإنسان ربه، يحتاج إلى عبادته وتطبيق شريعته، وكما أن الأنبياء والرسل كلهم بعثوا لأجل توحيد الله، فإنهم بعثوا أيضا بشرائع بينوا بواسطتها لأقوامهم كيف يعبدون الله جل وعلا، كما قال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [2] ، قال القرطبي رحمه الله: {"شرعة ومنهاجا"سنة وسبيلا. ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه: روي معنى ذلك عن قتادة. وقال مجاهد: الشرعة والمنهاج دين محمد عليه السلام؛ وقد نسخ به كل ما سواه} [3] .
(1) أخرجه الدارمي في سننه، 1/ 337، باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله، رقم الحديث 302، ط 1، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، (المملكة العربية السعودية: دار المغني للنشر والتوزيع، 1412 هـ - 2000 م) .
(2) سورة المائدة، الآية: 48.
(3) الجامع لأحكام القرآن -تفسير القرطبي-، للقرطبي، 6/ 211، (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية،1357 ه- 1938 م) .