فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 265

القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه، لا حفظا ولا فهما، ولا رواية ولا دراية؛ بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان، لا تنبت ولا تمسك الماء وهؤلاء هم الأشقياء [1] .

هذا إيماء منه رحمه الله إلى أفضلية الفقهاء الذين استنبطوا النصوص على الرواة الذين يروونها فقط، وفي كل خير فالفاضل لا ينفي الفضل عن المفضول.

وهذا التفريق بين الفقيه والمحدث لم يسلم منه حتى بعض الصحابة رضوان الله عليهم، فهناك من انتقد أبا هريرة رضي الله عنه بعدم الفقه وأثبت له الحديث فقط، وإن كنت لا أتفق مع هذا الطرح لكن ليس هذا معرض الرد عليه، قال الشوكاني رحمه الله:"قالوا: ولم يكن [2] كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يؤخذ بما يرويه إذا كان مخالفا للقياس الجلي، وبطلان هذا العذر أوضح من أن يشتغل ببيان وجهه فإن أبا هريرة رضي الله عنه من أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لم يكن أحفظهم على الإطلاق وأوسعهم رواية لاختصاصه بدعاء رسول الله له بالحفظ كما ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة بسطه لردائه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كان بهذه المنزلة لا ينكر عليه تفرده بشيء من الأحكام الشرعية" [3] .

الفرع الثالث: حاجة كل منهما للآخر.

فالغرض من مطلب التفريق بين الفنين والتمييز بين العلمين، هو المسائل الاصطلاحية وضبط التخصصات، وأما من حيث الواقع، فالعلمان متداخلان وكلاهما في حاجة للآخر، فلا يتصور فقيه ليس له زاد من الحديث، ولا محدث ليس له زاد

(1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لابن قيم الجوزية، ص 62 - 63، (لبنان-بيروت: دار الكتب العلمية، 1419 - 1998) .

(2) يقصد أبا هريرة رضي الله عنه.

(3) نيل الأوطار، للشوكاني، 5/ 244، الطبعة الأخيرة، (مصر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت