وقعت على كلام كثير حول تدوين علمي الحديث والفقه، فبالنسبة لتدوين الحديث [1] ، فقد كان الاعتماد في عهد الصحابة على الرواية، دون أن يدون من الحديث إلا النزر اليسير، حتى لا يلتبس بالقرآن، إلا أن التفكير في كتابة الحديث قد عرض لعمر رضي الله عنه، ولكنه عدل عنه، فلما كانت الفتنة وانتشر الكذب، نفر العلماء، لتدوين الحديث حفظا له من الضياع، وأول من فكر في ذلك هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ومع هذا فإن الجهد الأكبر في تدوين الحديث يرجع إلى الإمام محمد الزهري، حيث قال فيه كثير من علماء عصره:"لولا الزهري لضاع كثير من السنة".
وقد دُوِّن الحديث في هذ العصر من غير تبويب، ثم شاع التدوين بعد الزهري على أنماط مختلفة، كان أكثرها يجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مختلطا بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، إلى أن قام أئمة الحديث بتآليفهم العظيمة على طريقة المسانيد، ثم على طريقة التبويب؛ فكان لتدوين الحديث أكبر الأثر في اتساع دائرة الحركة العلمية للفقه الإسلامي.
وأما الفقه [2] ، فابتدء تدوينه في عصر صغار التابعين إلى آخر المائة الثانية هجرية، وكما تقدم في تدوين الحديث، فقد كانت للخليفة عمر بن عبد العزيز يد طولى في تدوين الفقه أيضا، حيث كان تدوينهما ممنوعًا على العلماء لئلا يتَّكِلُوا على الكتابة فيكسلوا عن الحفظ، لأن الأمة كانت بدوية أمية, علمها في صدروها لا تتَّكِلُ إلّا على
(1) ملخص ما ذكره مناع بن خليل القطان في تاريخ التشريع الإسلامي، ص 286 - 287، ط 4، (مصر-القاهرة: مكتبة وهبة، 1422 هـ-2001 م) .
(2) ملخص ما ذكره الفكر الحجوي الثعالبي في الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، 2/ 110 - 111، مرجع سابق.