فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 265

خاطبنا الله جل وعلا بكلام عربي، وبعث فينا نبيا عربيا، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم غنية بالفوائد والأحكام، وقد استفاد منها الصحابة لقوتهم في اللغة ولمجاورتهم للوحي، فما استعصى عليهم يسألون عنه منبع الوحي؛ ولما بعد العهد عنهم، ضعف اللسان العربي، فأصبح يستعصي على غالبية الناس فهم كلام النبي صلى عليه وسلم فضلا عن التفقه فيه.

وأما العلماء الراسخون، فقد خصهم الله جل وعلا بضبط معاني الأحاديث، وزادوا إلى ذلك ملكة في التفقه فيها، واستخراج المعاني الخفية [1] والدرر البهية، وبهذا ناب العلماء عن الرسل في تبليغ الوحي.

فتبين من هذا أن قدرة الفقيه على الاستنباط من الأحاديث، تتوازى مع تمكنه من فقه الحديث، أي أنه كلما كان مبرزا في التفقه في الأحاديث كلما كانت استنباطاته صائبة.

الفرع الأول: معنى فقه الحديث:

فقه الحديث هو فهم معانيه واستنباط الأحكام منه، قال الدكتور تقي الدين الندوي رحمه الله:"فسَرْد الحديث وحفظه وروايتُه: غيرُ فهمه واستنباط معانيه على وجهها" [2] .

فالحديث متن وسند، وعلماء الحديث اهتموا بهما معا؛ ولا يُدْرَك المتن إلا بالفقه، يعني فهم المعاني واستنباط الأحكام كما سبق ذكره، فالنقاد كانوا يهتمون بالنقدين: نقد الأسانيد برجالها واتصالها، ونقد المتون بفقهها ومعانيها؛ قال ابن الأثير رحمه الله:"وهو [3] على هذه الحال - من الاهتمام البين والالتزام المتعين- ينقسم قسمين: أحدُهما معرفة ألفاظه، والثاني معرفة معانيه. ولا شك أن معرفة ألفاظه مُقدمة في"

(1) يعني التي تخفى على غيرهم، وإلا فليس في الدين باطن بل يسره الله وأجلاه.

(2) التعليق الممجد على موطأ محمد، لمحمد عبد الحي أبي الحسنات، 1/ 18، تحقيق: الدكتور تقي الدين الندوي،) دمشق: دار القلم/بومباي: دار السنة والسيرة).

(3) يقصد علم الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت