فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 265

وهذا لأن إسحاق الحنظلي كان يحفظه على رسم أهل الحديث، ويسرد أبوابه سردا، وكان لا يهتدي إلى ما كان يهتدي إليه الشافعي من الاستنباط والفقه، وكان الشافعي يحفظ من الحديث ما كان يحتاج إليه، وكان لا يستنكف من الرجوع إلى أهله فيما اشتبه عليه منه" [1] ."

فالإمام الشافعي رحمه الله على جلالة قدره وهو من هو في الفقه، يعترف لزميله بالبراعة في الحديث، وهو اعتراف ضمني من الشافعي رحمه الله بأنه لم يبلغ المرتبة التي يطمح إليها في حفظ الحديث، بالرغم مما كان له من عناية به، ومن الأقوال والتحريرات التي أضافها لهذا العلم والتي تنم عن علو شأنه فيه. وبدلالة المفهوم، فإن إسحاق رحمه الله لم يغلب الدنيا رغم ما معه من الحديث، لأنه لم يبلغ درجة الفقه فيه كما هو حال الإمام الشافعي رحمه الله، فرغم ما كان لإسحاق من حفظ للأسانيد، فلن يكون فقيها إلا إذا جمع إلى ذلك استنباطا، كما قال الخطيب البغدادي رحمه الله:"وليُعلم أن الإكثار من كتب الحديث وروايته لا يصير بها الرجل فقيها، إنما يتفقه باستنباط معانيه، وإنعام التفكير فيه" [2] .

الفرع الثاني: نماذج من تصريحات العلماء بالفرق بين التخصصين:

وفيما يلي سرد لنماذج من تصريحات العلماء يبينون فيها أن المحدث شيء والفقيه شيء آخر:

قال ابن حبان رحمه الله:"وأما زيادة الألفاظ في الروايات، فإنا لا نقبل شيئًا منها إلا عن من كان الغالب عليه الفقه ... لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها"

(1) مناقب الشافعي، للبيهقي، 2/ 152 - 153، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط 1، (مصر-القاهرة: دار التراث، 1390 ه-1970 م) .

(2) الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، 2/ 159، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، (مصر: مكتبة التوعية الإسلامية للتحقيق والنشر والبحث العلمي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت