فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 265

وأما النخعي رحمه الله فاعتمد أقضية علي رضي الله عنه لما كان بالكوفة، وجمع فتاوي علماء العراق كما فعل ابن المسيب في المدينة، ثم قاس على ذلك كله فبنى منهجه.

وهذا ما ذكره الحجوي الثعالبي قائلا:"فابن المسيب وأصحابه كانوا يرون أن أهل الحرمين الشريفين أثبت الناس في الحديث والفقه، ولذلك جمع فتاوي أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأحكامهم, وفتاوي علي قبل الخلافة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة."

وقد اعتمد ابن المسيب مسند أبي هريرة كثيرًا, وقضايا قضاة المدينة، وحفظ من ذلك شيئًا كثيرًا، ونظر فيه نظر اعتبار وتفتيش وتحقيق وتطبيق، فما كان مجمعا عليه بين علماء المدينة عضَّ عليه بالنواجذ هو وأصحابه لا يتجاوزنه" [1] ، ويستمر قائلا: {وإذا لم يجد المدنيون لمن قبلهم النص على حكم مسألة بعينها, خرجوا وتتبعوا الإيماء والاقتضاء, فأخذوا بالرأي أيضًا, ولكن عند الضرورة وهو عدم وجود الأثر, فكان ذلك قولًا لهم واجتهادًا، وكان إبراهيم النخعي وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود أثبت الناس في الفقه لقوله عليه السلام:"تمسكوا بعهد ابن أم عبد"، وهو سادس ستة في الإسلام كما سبق} [2] ."

المطلب الرابع: ما حقيقة الفرق بينهما:

كنت قد ذكرت في عنصر التمييز بين المدرستين أن التفريق بينهما سيكون بحسب الاصطلاح والتسمية، وأما من حيث الحقيقة والواقع، فالذي يظهر أن المدرستين متداخلتان، وكلاهما يرغب في الدليل ويحب السنة، لكنهما اختلفا في تنزيل ذلك، وفي التعامل مع الأدلة ومدى قبولها، قال الحجوي الثعالبي رحمه الله:"ولا بد على التحقيق أن الذي لا شك فيه أنه ما من إمام منهم إلا وقد قال بالرأي, وما من إمام منهم إلا وقد تبع الأثر, إلا أن الخلاف وإن كان ظاهره في المبدأ, لكن في التحقيق"

(1) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، 2/ 95 - 96، مرجع سابق.

(2) المرجع نفسه، 2/ 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت