فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 265

إنما هو في بعض الجزئيات، يَثْبُت فيها الأثر عند الحجازيين دون العراقيين, فيأخذ به الأولون ويتركه الآخرون لعدم اطلاعهم عليه, أو وجود قادح عندهم" [1] ."

فمن سموا بمدرسة الرأي، لم يقصدوا العمل بالرأي المحض وضرب النصوص أو مخالفتها، بل دفعهم إلى ذلك قلة الأحاديث عندهم، والذي نتج عن تحريهم واحتياطهم في قبولها.

ومن سموا بمدرسة الحديث، لم يقفوا جامدين أمام الأحاديث -فما كان هذا منهج الصحابة رضوان الله عليهم، الذين أعملوا آراءهم لفهم النصوص دون الخروج عنها أو مخالفتها-، بل أعملوا اجتهاداتهم وقللوا من الرأي خشية مصادمة النصوص.

فهؤلاء اعتمدوا الحديث وفقهوا ما فيه، وأولئك جنحوا للرأي ولم ينكروا الحديث، وهذا ما ذكره الدكتور عبد العظيم محمود الديب رحمه الله قائلا:"فليس هناك مدرسة حديث ومدرسة رأي، وإنما الخلاف بين مدرسة العراق ومدرسة المدينة هو في منهج الاستدلال وطريقة الرأي" [2] .

فكل واحد من الفريقين معه نصيب من الخير ما دام متحريا للسنة وبعيدا عن الهوى والابتداع، لأن لكليهما نية الوقوف عند السنة إذا وثقا من صحتها؛ لكن كل مدرسة تميزت بميزة معينة، فأهل الحديث ضبطوا الآثار واعتنوا بها وقللوا من الرأي، وأهل الرأي غلبوا النظر وقللوا من الآثار لاحتياطهم لها.

ولا شك أن الخير في العمل بالجانب المتفق عليه من كل مدرسة، يعني العناية بالأثر والحديث، مع تحليتهما بالرأي الصالح الذي لا يضرب النصوص ولا يردها، والذي يبعد عن الهوى والتعصب؛ كما فعل الشافعي رحمه الله لما تلقى فقه أهل الحديث عن مالك رحمه الله في المدينة، ثم انتقل إلى العراق حيث أخذ فقه أهل الرأي عن محمد

(1) المرجع نفسه، 1/ 383.

(2) المرجع نفسه، المقدمة/89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت