كلام يؤخذ منه ويرد، إلا ما صح لنا عن محمد صلى الله عليه وسلم بل لا يجوز الرد مطلقا؛ لأن الواجب أن ترد المذاهب إليها" [1] ."
فأما القرآن فواحد متفق عليه، وأما السنة فلا يَشُك مُتَّزِن أنها المصدر الثاني من مصادر التشريع، لكن أُدْخل فيها ما ليس منها، فلزم التمحيص والتثبت؛ ولذلك اختلف الأئمة في مقدار الأخذ منها مع اتفاقهم على تعظيمها، وأكدوا على ضرورة إخضاع اجتهاداتهم لها، ونهوا عن تقليدهم على حسابها، فنبذوا بذلك التعصب المذهبي، وتبرؤوا ممن يضرب بهم النصوص ويُحَاج بهم الدليل، وكانت مواقفهم تلك، حجة على من تُسَول له نفسه رفعهم فوق قدرهم.
وقد فكرت في إقحام هذا المبحث في هذا الموضوع، لعلاقة التعصب المذهبي بالأخطاء الحديثية، لأن المتعصب لإمامه قد يقدم قول هذا الإمام على الحديث النبوي، ويلوي عنق الحديث حسب فهم إمامه، أو يتبعه في حكمه على حديث ما، مع أن الصواب خِلافه، فيتمخض عن هذا رد للحديث من أصله، أو إثباته ورد لصحيح فهمه، مما يؤدي إلى رد الحكم الفقهي المحمول في الحديث. فلما تَعصب للمذهب ردّ الحديث ولما ردّ الحديث رد فقهه، أو أنه لما تعصب للمذهب تعصب لحديث مردود لأن شيخه صححه فينتج عن هذا إثبات فقه ذلك الحديث، وهو مردود على الصحيح، أي في واقع الأمر، ومعلوم أن الخطأ في الحكم على الحديث أو سوء فهمه، يقابله خطأ في الحكم الفقهي.
وسأقتصر في ذكر النماذج على الأئمة الأربعة، ويسري على غيرهم ما سرى عليهم.
اختار الله جل وعلا الأنبياء والرسل ليكونوا خير الخلق، واصطفى منهم خيرهم محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم كان صحابته خير الخلق بعد الأنبياء والرسل، فاقتدى
(1) قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ص 489، مرجع سابق.