بهم التابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ومن أبرز المقتدين الأئمة الأربعة، الذين شهد لهم الناس بالفضل، ورزقهم الله القبول، حتى بقيت نتاجاتهم شامخة على مدى التاريخ، وقيض لهم الله من يجمع مذاهبهم ومن يشرحها ومن يُخرِّج عليها الفروع.
قال سيد سابق رحمه الله [1] :"فلما جاء أئمة المذاهب الأربعة تبعوا سُنن من قبلهم، إلا أن بعضهم كان أقرب إلى السنة، كالحجازيين الذين كثر فيهم حملة السنة ورواة الآثار، والبعض الآخر كان أقرب إلى الرأي كالعراقيين الذين قل فيهم حفظة الحديث، لتنائي ديارهم عن منزل الوحي. بذل هؤلاء الأئمة أقصى ما في وسعهم في تعريف الناس بهذا الدين و هدايتهم به، وكانوا ينهون عن تقليدهم ويقولون: لا يجوز لأحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، صرحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح؛ لأنهم لم يكونوا يقصدون أن يُقلَّدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم، بل كان كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله" [2] .
وبقدر ما كان معهم من العلم والفضل، بقدر ما زادهم الله تواضعا واحتراما للسنة، فكانوا يبجلونها، ويدرؤون التقليد، وينهون الناس عن الغلو فيهم، ورفعهم فوق قدرهم؛ وإذا كان هذا دأبُ النبي صلى الله عليه وسلم، فما دونه من باب أولى، فعن ابن عباس، أنه سمع عمر رضي الله عنه، يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تطروني. كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله" [3] .
(1) ولد عام 1915 م بقرية"إسطنها"، بمحافظة المنوفية، توفي رحمه الله تعالى 27 فبراير 2000 م صاحب كتاب فقه السنة الشهير ومن كبار علماء الأزهر كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين.
(2) فقه السنة، لسيد سابق، 1/ 09، (لبنان- بيروت: دار الفكر، 1415 هـ- 1995 م) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه،4/ 167، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى:"واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها"، (مصر- القاهرة: الطبعة السلطانية المطبعة الأميرية، 1311 هـ) .