موضوع أو مقلوب؛ لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون سيرها، ولا يستخرجون ركازها، وفقهها؛ وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.
وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلاّ على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبؤون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها؛ وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم" [1] ."
فالمعول عليه هو أن ما يحصل بين علمائنا لا ينقص من فضلهم وقيمتهم، وإنما هو نقطة سوداء في بحر حسناتهم، فهم بشر وليسوا معصومين، وما دفعهم لذلك إلا رغبتهم في الدفاع عن هذا الدين، ويسري هذا على ما يحصل بين المحدثين والفقهاء، فكلاهما بحاجة للآخر وكلاهما يكمل الآخر. وأما ما يحصل بينهم، فليس معناه أن العيب في العلوم وإنما العيب في الأشخاص، فإن كان الرامي هو المخطئ فقد أفرط على صاحبه، وإن كان المرمي متلبسا فعلا بما رمي به فإنما العيب فيه هو، وليس في العلم الذي ينتمي إليه، ودرجات الناس تتفاوت ومداركهم ليست واحدة، ودليل ذلك أن هناك من جمع بين العلمين فكان محدثا فقيها وقد سبق الكلام عن هذا.
عيب على بعض المحدثين إتباعهم للفقهاء والأصوليين في بعض مصطلحات علم الحديث، بدعوى أن القول الفصل في هذا الشأن هو للمحدثين، لأنهم أصحاب الاختصاص وهم أدرى بمصطلحاتهم، والفقهاء وغيرهم عيال عليهم في هذا الفن. ولا
(1) معالم السنن، 1/ 3، مرجع سابق.