ترددت كثيرا قبل تسمية هذا النوع خطأ حقيقيا، فقد راج في خاطري أن أسميه خطأ تجوزا لا حقيقة، لكني استقررت على تسمية عدم العمل بالحديث خطأ حقيقة لا تجوزا، سواء كان عدم العمل بالحديث مع بلوغه للمستدل أو مع عدم توصله به؛ فأما بلوغ الحديث للمستدل وعدم العمل به، فاحتمال الخطأ هنا وارد بغض النظر عن العذر الذي يدلي به التارك، وأما من لم يبلغه الحديث فكيف نقول أنه اخطأ؟ فالذي دفعني إلى إدخاله في هامش الخطأ، هو قدر ولو يسير من عدم بذل الوسع في البحث عن الدليل أو في بذل الوسع لكن مع الخطأ في الطريق؛ وخير مثال تبادر إلى ذهني هنا هو القتل الخطأ، فرغم أن القاتل لم يقصد القتل لكن الشارع وصفه بالخطأ، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [1] ، قال عبد الرحمن السعدي رحمه الله:"فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله، ولكنه لما كان قد فعل فعلا شنيعا، وصورته كافية في قبحه، - وإن لم يقصده- أمر تعالى بالكفارة والدية" [2] .
وقد قسمت هذا المبحث إلى مطلبين:
(1) سورة النساء، الآية: 92.
(2) تيسير الكريم الرحمن، ص 113، مرجع سابق.