نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء" [1] ."
ذكرت هذه المسألة لما لها من أهمية بالغة، ما دامت تذكر غالبا في مبحثين من كتب الحديث، وهما الحديث الصحيح والحديث المعلل، ولا يخفى على متأمل أهميتهما في العمل بالحديث، أقصد من هذا أن الفقيه قد يبني الحكم على حديث صحيح عنده، لأنه لم يقبل العلة التي أبداها المحدث، أو لأنه لم يعلمها أصلا. وسأناقش هذه المسألة في المطلب الثالث من هذا المبحث تحت عنوان: اصطلاحات الفقهاء في علم الحديث.
يُعتبر الجمود على الأسانيد من أهم ما وُصف به المحدثون من طرف بعض الفقهاء، حيث انتقدوهم بحفظ الروايات والطرق دون التفقه في المتون وإعمالها في استنباط الأحكام.
ومن نماذج مؤاخذات بعض الفقهاء للمحدثين ما قال طاهر بن صالح رحمه الله [2] :"وكذلك لمسلم وابن معين، فإنهم انتقدوا الحديث وحرروه ونبهوا على ضعفاء المحدثين والمتهمين بالكذب، حتى ضج من ذلك من كان في عصرهم، وكان ذلك أحد الأسباب التي أوغرت صدور الفقهاء على البخاري، فلم يزالوا يرصدون له"
(1) الاقتراح في بيان الاصطلاح، لابن دقيق العيد، ص 217 - 218، ط 1، تحقيق: قحطان عبد الرحمان الدوري (الأردن- عمان: دار العلوم، 2007 - 1427) .
(2) طاهر بن صالح (أو محمد صالح) ابن أحمد بن موهوب، السمعوني الجزائري، ثم الدمشقيّ (1268 - 1338 هـ = 1852 - 1920 م) : بحاثة، من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره.
أصله من الجزائر، ومولده ووفاته في دمشق. كان كلفا باقتناء المخطوطات والبحث عنها، فساعد على إنشاء"دار الكتب الظاهرية"في دمشق، وجمع فيها ما تفرق في الخزائن العامة، وساعد على إنشاء"المكتبة الخالدية"في القدس. وانتقل إلى القاهرة سنة 1325 هـ، ثم عاد إلى دمشق سنة 1338 هـ، فكان من أعضاء المجمع العلمي العربيّ، وسمي مديرا لدار الكتب الظاهرية وتوفي بعد ثلاثة أشهر. الأعلام، للزركلي، 3/ 221 - 222، ط 15، (لبنان- بيروت: دار العلم للملايين، 2002 م) .