فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 265

ولذلك لم يوافق مالك الرشيد في حمل الناس على الموطأ؛ وكذلك نبذ الأئمة الآخرون التقليد الأعمى، وأرشدوا الناس إلى النص والدليل، ولذلك نجد أن لأحدهم في المسألة الواحدة عدة أقوال، بل اشتهر الشافعي بالقديم والجديد من فقهه، معنى ذلك أنهم يدورون مع الدليل؛ فإذا كان هذا هو حال الأئمة مع أقوالهم، لا يأنفون عن تغييرها متى تبدى لهم خلافها، فلماذا يتعصب غيرهم لها؟

فلا يوجد أدنى شك في تأسي الأئمة رحمهم الله بالسنة، ورغبتهم الشديدة في الوقوف عند الحديث، وجهودهم الحثيثة لنصرته، إلا أنه لبشريتهم فقد يصدر منهم أحيانا ما يخالف الأحاديث، إما لعدم وصولها إليهم أو لوصولها ولكن لم تثبت صحتها عندهم، أو وصلتهم وثبتت صحتها عندهم لكنهم خالفوا المقصود منها، إما لمعارض لها أو وجود ناسخ في نظرهم، أو لمجرد أنهم باجتهادهم فهموا غير ما يجب أن يُفهم والكمال لله.

الفرع الثاني: زيغ متعصبي المذاهب وتقديمهم لها على السنة:

لست أدري كيف يتجرأ أقوام على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقدمون عليها أقوال أئمتهم، ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم عندما يقرؤون كيف تبرأ أئمتهم منهم، ألا يرْعَوُون لما يسمعون الأدلة التي تنبذ التقليد وتأمر بالاحتكام للنصوص، فزيغ هؤلاء أخس من أن يُرد عليه، لكن نجمل الرد عليهم بما يلي:

1 -ألم تسمعوا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [1] ؟ أي تعصب هذا يجعل المرء يقدم قول المتَّبِع على المتَّبَع، وقول الفرع على الأصل، وقول الناقل على المنقول عنه؟ كيف سوغت لهؤلاء أنفسهم أن يضعوا النصوص في ميزان الأئمة والأصل أن توضع أقوال الأئمة في ميزان النصوص؟، يا للهول! قلبوا الموازين فضلوا وأضلوا.

(1) سورة الحجرات، الآية:1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت