فنجد أن عبارات الأئمة قد اتفقت في المعنى واختلفت في اللفظ، وكلها تدل على وجوب رد أقوالهم إلى الكتاب والسنة وعلى النهي عن التقليد الأعمى، قال ابن تيمية رحمه الله: ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه. وذلك هو الواجب عليهم، فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:"هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه"، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بمالك فسأله عن مسألة الصاع؛ وصدقة الخضروات؛ ومسألة الأجناس؛ فأخبره مالك بما تدل عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
ومالك كان يقول:"إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة"، أو كلاما هذا معناه.
والشافعي كان يقول:"إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط"، إذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي. وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال:"مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء".
والإمام أحمد كان يقول:"لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا". وكان يقول:"من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال". وقال:"لا تقلد دينك الرجال وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه، قال: فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا [1] ."
فأقوال المجتهدين لا يجب إتباعها ولا يكفر من خالفها، ولم يفرضها أصحابها على الأمة، ولا ادعوا العصمة، بل بذلوا وسعهم في تحصيلها وخيَّروا الناس في اتباعها،
(1) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 20/ 211 - 212، (المملكة العربية السعودية -المدينة المنورة: طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد) .