كثر الكلام عن الفرق بين الفقهاء والمحدثين، فمن مبالغ في الفصل بينهما ومن منكر لوجود الفرق أصلا، والذي يظهر أن التفصيل سيد الموقف في مثل هذه الحالات؛ فمن حيث تمايز العلوم واستقلالها الاصطلاحي واختلاف تعاريفها وموضوعاتها وما إلى ذلك، فإنه لا يستطيع أن ينكر منكر وجود فرق بين الفقهاء والمحدثين. وأما من حيث إن المحدث يجب أن يكون معه نصيب وافر من الفقه وأن الفقيه يتحتم عليه التزود بنصيب محترم من الحديث، فإنه لا يستطيع أن ينكر منكر التداخل الكبير بين العلمين.
وثمرة هذا المبحث تتجلى في فكرة هامة، وهي أنه كلما كان الفقيه متمكنا من علوم الحديث كلما استقامت أحكامه على الأحاديث واستقام معها حسن استدلاله بها، وكلما كان محفوظه منها أكبر، كلما اتسعت دائرة الاستدلال عنده وكان له الزاد الأكبر الذي يستقي منه الأحكام الفرعية؛ ولذلك تجد قوة في فتاويه، لأنه يُعْمِل نصوصا صحيحة قلما تجدها عند غيره، ولا يستشهد بأخرى ضعيفة اشتهرت عند غيره. وكلما كان المحدث متمكنا من الفقه كلما برع في فهم الأحاديث وفي الحكم على درجتها، لأن بعض العلل لا تظهر إلا في المتون.
الذي ينبغي التفطن إليه هو أن كلامنا هنا عن الفرق الاصطلاحي من حيث تمايز العلمين بعد استقلال العلوم بعضها عن بعض في التسميات والعمل لا في الأصل،