وإلا فإنه لا يستغني علم عن علم، فهي مترابطة بينها كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وأول فرق يخطر على البال هو الناتج عن التعريف الاصطلاحي لكل من العلمين كما سبق بيانه، فهذا موضوعه الأحكام التكليفية الفرعية، والآخر أحكام الأحاديث من حيث الصحة والضعف، والأول ثمرته معرفة الحلال والحرام من الفروع، والثاني ثمرته معرفة الصحيح والضعيف من الأحاديث. ومنه، فالتفريق الاصطلاحي على الأقل وارد بين العلمين، فضلا عن التفريق الميداني والتطبيقي؛ وقد سئل ابن عثيمين رحمه الله عن حكم تفريق طلاب العلم بين العلماء في الحديث والفقه فأجاب رحمه الله بقوله: {لا شك أن العلماء كل منهم تناول الشريعة من وجه، هذا محدث، وهذا فقيه، وهذا عالم في العقائد، وهذا عالم في النحو، وهذا عالم في البلاغة، لا شك في هذا، وخير الناس من جمع بين الحديث والفقه، ولكن ليعلم أن من المحدثين من ليس عنده فقه بدليل قوله عليه الصلاة والسلام:"رب مبَلغ أوعى من سامع"من المبلِغ؟ ناقل الحديث، والمبلَغ: هو الذي أخذ الحديث عمن رواه ولكن فقه في دين الله، فليس كل محدث يكون فقيهًا، وليس كل فقيه يكون محدثا، من الفقهاء مثلا من يعتني بكتب العلماء ويحققها ويدققها لكنه ضعيف في الحديث، ومنهم بالعكس عنده علم من الحديث لكنه لا يفقه، قليل الفقه في الحديث، فتجده يعتقد العموم فيما ليس بعام، أو الخصوص فيما ليس بخاص، وهلم جرًا} [1] .
ومما يعتمد عليه بعض العلماء في إبراز الفرق بين العلمين قوله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن ثابت:"نضر الله امرأ سمع منا حديثا، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" [2] ، قال العظيم أبادي رحمه الله:
(1) اللقاء الشهري، لابن عثيمين، 38/ 21، (المكتبة الشاملة: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم اللقاء) .
(2) أخرجه أبو داود في سننه، 4/ 244، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، تحقيق محمد عوامة، ط 1، (السعودية: دار القبلة/ بيروت: مؤسسة الريان/ مكة: المكتبة المكية، 1419 ه - 1998 م) .
وأخرجه الترمذي في سننه، 5/ 34، أبواب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، تحقيق: أحمد شاكر - محمد فؤاد عبد الباقي - إبراهيم عطوة عوض، ط 2، (مصر: مصطفى البابي الحلبي 1397 ه - 1977 م) .
وأخرجه ابن ماجه في سننه، 1/ 84،كتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب من بلغ علما، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (مصر- القاهرة: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي) .
وأخرجه أحمد في مسنده، 7/ 221، مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، مرجع سابق.
وأخرجه الدارمي في سننه، 1/ 302، المقدمة، باب الاقتداء بالعلماء، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، ط 1، (المملكة العربية السعودية: دار المغني للنشر والتوزيع، 1412 هـ - 2000 م) .
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (بترتيب ابن بلبان) ، 2/ 455، كتاب الرقائق باب الفقر والزهد والقناعة، تحقيق شعيب الارناؤوط، ط 2، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1414 ه-1993 م) .
وأخرجه الحاكم في المستدرك، 1/ 162، كتاب العلم، باب: وأما حديث كعب بن مالك، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، (لبنان- بيروت: دار الكتب العلمية، 1411 هـ - 1990 م) .
صححه الحاكم وابن حبان رحمهما الله، وقال عنه الألباني رحمه الله: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، سلسلة الأحاديث الصحيحة،1/ 761، ط 5، (الرياض: مكتبة المعارف، 1412 ه-1993 م) .