فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 265

يخفى على منصف أن هذا الكلام وازن إجمالا، لأن المتصفح في كتب المحدثين يكتشف ما لهم من الجهود في ضبط أمور لا يمكن أن يضبطها إلا من اختلط شحمه وعظمه بالحديث، قال ابن رجب رحمه الله:"وإنما تحمل مثل هذه الأحاديث - على تقدير صحتها - على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقاد، الذين كثرت ممارستهم لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث، ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وحفظهم وضبطهم، فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث يختصون بمعرفته، كما يختص الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود جيدها ورديئها، وخالصها ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر، وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلا لغيره، وآية ذلك أنه يعرض الحديث الواحد على جماعة ممن يعلم هذا العلم، فيتفقون على الجواب فيه من غير مواطأة" [1] .

ومصطلح الحديث علم دقيق جدا، لأن أي تحريف أو خطأ في الاصطلاح قد يؤثر على الحكم على الحديث، فعلى المستدل أن يتنبه للمصطلحات التي يستعملها، وقد وُصف بعض المحدثين على جلالة قدرهم بإتباعهم لاصطلاحات الفقهاء، كما حصل مع الخطيب البغدادي وابن الصلاح رحمهما الله واللذان اتهما بتأثرهما بأصول الفقه [2] .

ولا يعني هذا أن الخطيب البغدادي رحمه الله كان يخرم الإجماعات الحديثية لأجل آراء أصولية بل كان يردها أحيانا ويأخذ بما عليه المحدثون كما قال حاتم العوني حفظه

(1) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 2/ 105 - 106، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس، ط 8، (لبنان بيروت: مؤسسة الرسالة، 1999 م- 1419 ه) .

(2) كما حكى حاتم العوني في المنهج المقترح لفهم المصطلح، ص 91، ط 1، (الرياض: دار الهجرة للنشر والتوزيع، 1416 ه- 1996 م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت