الله [1] :"ثم إن الخطيب وإن تأثر بأصول الفقه، فهو المحدث الناقد بالدرجة الأولى. لذلك نجده يرجح خلاف ما ينقله عن الأصوليين تارة، ويقدم عمل المحدثين على ما ينقله عن بعض المتكلمين تارة أخرى، ويصوب ما يدل عليه حال أهل الحديث على حجج بعض الفقهاء في مسائل الحديث أيضًا" [2] .
فمناسبة ذكر هذا المطلب وثمرته، هي ما عُلم من أن ضبط اصطلاحات العلوم أمر أساسي لفهم كلام أصحابها، فأي انحراف في هذه العملية يتسبب في سوء فهم الكلام من قائله، بل وقد يقلب مسار الكلام رأسا على عقب، فالعلة مثلا عند اللغويين، ليست هي العلة عند الأصوليين، وكذا لها اصطلاح خاص عند المحدثين، ومعنى خاص عند الفقهاء وهكذا.
والفقهاء والأصوليون لهم بعض الاصطلاحات في علم الحديث خالفوا فيها المحدثين، وقد يتسبب ذلك في تصحيح حديث على رأيهم، وهو في الواقع ضعيف عند المحدثين، مما يؤدي إلى خطأ على مستوى الحكم الفقهي؛ أعني أن الفقيه قد يعتمد في استنباطه للحكم على حديث يظنه صحيحا نظرا لحكم الفقهاء عليه بذلك، والواقع أنه قد يكون ضعيفا عند المحدثين، الذين اطلعوا بحكم تخصصهم على علة في الحديث لم تظهر للفقهاء. ومن ذلك أن حاجة بعض الفقهاء للأحاديث في استدلالاتهم قد تدفعهم أحيانا إلى تصحيح ما ليس صحيحا من الأحاديث، لخطأ في الاجتهاد وهو الغالب، أم عمدا بدافع العصبية ونحوها، وهذا نادر في حقهم، لأن الأصل في الفقيه، أنه إذا ضعف عنده الحديث لا يأخذ به. ومن أسباب اختلاف الفقهاء عدم الوقوف على صحة الحديث وضعفه بيقين؛ وكما سيأتي [3] ، فإن الفقهاء لا يشترطون انتفاء العلة والشذوذ في الحديث الصحيح على عكس المحدثين؛ وعليه، فإنه إذا كان حديث صحيح الإسناد فقد يستدلون به، وهو في الواقع معلول، فيكون
(1) حاتم بن عارف بن ناصر الشريف، من آل عون، العبادلة الأشراف الحَسَنِيين، وُلِدَ في مدينة الطائف سنة 1385 هـ. التحق بجامعة أم القرى في مكة المكرمة وحصل منها على الماجستير والدكتوراه.
(2) المرجع السابق، ص 195.
(3) سأفصل هذا الأمر في هذا المطلب تحت عنوان:"حول الصحيح".