ازدهر الفقه في عهد الأئمة الأربعة وبلغ أَوْجَهُ في تلك الفترة، لقربهم من أقوال واجتهادات الصحابة والتابعين، ولما أنتجوه من استنباطات للنوازل التي عُرضت لهم، فطرقوا جميع أبواب الفقه، وتركوا للأمة رصيدا ضخما من الفروع؛ وما من مسألة تُطرح، إلا ويوجد لها أصل أو فرع في أقوالهم؛ كيف لا، وقد كانوا قريبين من زمن الوحي، ونهلوا من نصوص الوحيين، ومن أقوال سلفهم، واجتمع لهم من الآلات اللغوية والشرعية والأخلاقية ما لم يجتمع لغيرهم.
ومع كل هذا فهم بشر غير معصومين، يجب أن تعرض أقوالهم على الوحيين، فما وافقهما قُبِل، وما خالفهما رُدَّ، وهذا ما طالبوا به رحمهم الله، لعلمهم بقدرهم، ولكي لا يغلو فيهم الناس، قال ابن القيم رحمه الله:"فإنه لا يُعترض على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف، فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعيكم فيها مبطلا لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى؟، وهل هذا إلا عكس طريقة أهل العلم؟، فإن الأدلة هي التي تُبطل ما خالفها من الأقوال، ويعترض بها على من خالف موجِبَها، فتُقدَّم على كل قول اقتضى خلافها، لا أن أقوال المجتهدين تُعارَض بها الأدلة، وتُبطل مقتضاها وتُقدَّم عليها" [1] .
وعليه، فعين العقل هو أن تعرض المذاهب الفقهية على الحديث المقبول، فما وافقه منها قُبِل، وما لا فلا، وأما أن تُحَوَّر الأحاديث لتوافق الأقوال المذهبية، فهذا ظاهر البطلان، وأعجب كل العجب ممن هذا دأبه، فالله المستعان وعليه التكلان.
ولذلك روى القاسمي عن الباجي رحمه الله قوله:"قاعدة: لا يجوز رد الأحاديث إلى المذاهب على وجه يُنقص من بهجتها، ويُذهب بالثقة بظاهرها، فإن ذلك فساد لها، وحط من منزلتها، لا أصلح الله المذاهب لفسادها ولا رفعها بخفض درجاتها، فكل"
(1) جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، لابن قيم الجوزية، ص 348 - 349، ط 2، تحقيق: شعيب الأرناؤوط و عبد القادر الأرناؤوط (الكويت: دار العروبة، 1407 - 1987) .