بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع محدث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه، لم أقبل رفعه إلا من كتابه، لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط، وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظ في الخبر، لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ" [1] ."
وقد لاحظت أنه عبر بأصحاب الحديث وبالفقهاء مفرقا بين الصنفين، ثم عبر في المرة الثانية بصاحب الحديث وبالمحدث الذي يغلب عليه الفقه كناية عن الفقيه.
وقال ابن تيمية رحمه الله:"قال أحمد بن حنبل: معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي من حفظه، وقال علي بن المديني: أشرف العلم الفقه في متون الأحاديث ومعرفة أحوال الرواة، فإن يحيى بن معين وعلي بن المديني ونحوهما أعرف بصحيحه وسقيمه من مثل أبي عبيد وأبي ثور، وأبو عبيد وأبو ثور ونحوهما أفقه من أولئك، وأحمد كان يشارك هؤلاء وهؤلاء."
وكان أئمة هؤلاء وهؤلاء ممن يحبهم ويحبونه، كما كان مع الشافعي، وأبي عبيد، ونحوهما من أهل الفقه في الحديث، ومع يحيى بن معين وعلي بن المديني ونحوهما من أهل المعرفة في الحديث.
ومسلم بن الحجاج له عناية بصحيحه أكثر من أبي داود، وأبو داود له عناية بالفقه أكثر، والبخاري له عناية بهذا وهذا" [2] ."
يظهر في هذا النص جليا، استقراء لابن تيمية، نتج عنه تصنيف أولئك الجهابذة حسب إتقانهم لعلمي الفقه والحديث؛ فَأَظْهَر من غلب عليه الحديث على الفقه، وأشار إلى من غلب عليه الفقه على الحديث، ثم عقب بمن جمع بين الفنين.
(1) صحيح ابن حبان، 1/ 159، مرجع سابق.
(2) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، 7/ 428 - 429، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، (المملكة العربية السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1406 ه- 1986 م) .