فأنى للفقيه أن يكون محدثا بمجرد اشتغاله بالفقه؟، وكيف يدرك ذلك والتمكن من الحديث يحتاج إلى دراسة الأسانيد والطرق والمتون المختلفة؟، وأين هو من إدراك العلل الخفية التي لم يتمكن منها إلا خواص المحدثين؟
وفي الضفة الأخرى، أنى يكون للمحدث أن يدعي الفقه بمجرد اشتغاله بالحديث؟ لأن الفقه يحتاج إلى ملكة وتأمل ونصيب من علوم اللغة والتفسير وأصول الفقه والحديث نفسه، مع مراعاة الأعراف وأحوال الناس. ولذلك لما سئل الإمام أحمد عن عبد الرزاق هل كان له فقه؟، قال:"ما أقل الفقه في أصحاب الحديث" [1] .
فلا يستطيع المحدث أن يستنبط الحكم الفقهي بمجرد معرفته للعلل والأسانيد وحفظه للأحاديث، كلّا وكلّا، بل يحتاج إلى أمور أخرى حتى تكتمل له آلة الفقه، قال البيهقي رحمه الله -بتصرف يسير-:"سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول لأبي علي بن مِقلاص [2] : تريد تحفظ الحديث وتكون فقيها؟ هيهات! ما أبعَدك من ذلك."
قلت [3] : وإنما أراد به حفظه على رسم أهل الحديث من حفظ الأبواب والمذاكرة بها، وذلك علم كثير إذا اشتغل به فربما لم يتفرغ إلى الفقه فأما الأحاديث التي يحتاج إليها في الفقه فلا بد من حفظها معه، فعلى الكتاب والسنة بناء أصول الفقه، وبالله التوفيق.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي [4] : ذاكرت الشافعي فقال: لو كنت أحفظ كما تحفظ لغلبت أهل الدنيا.
(1) طبقات الحنابلة، لابن رجب، 2/ 392، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، (المملكة العربية السعودية: الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، 1999 م-1419 ه) .
(2) الإمام الفقيه عبد العزيز بن عمران، المتوفى سنة 234.
(3) القائل هو البيهقي.
(4) يقصد إسحاق بن راهويه، وإسمه إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم أبو يعقوب الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه كان أحد أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد.
ولد سنة إحدى وستين ومائة، و قيل غير هذا، ومات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. مقتبس من تاريخ بغداد للخطيب البغدادي،
7/ 362، تحقيق بشار عواد معروف، (لبنان- بيروت: دار الغرب الإسلامي) .