حفظها مع قلة مواد الكتابة؛ لكن لما ابتدأ الترف والميل للراحة, قل الحفظ, فأمر عمر ابن عبد العزيز بالكتابة، فنتج عن ذلك ارتقاء عظيم للفقه وحفظ للسنة.
فكتابة القرآن هي أول تدوين للفقه على الحقيقة [1] ، كما أن تدوين الحديث مادة للفقه [2] .
ويرى البعض أن تدوين الفقه سبق تدوين الحديث، ويرد عليهم آخرون بأن تدوين الحديث أسبق، وهذا لا يهمنا هاهنا؛ إنما نرمي للإشارة إلى التزاوج الذي حصل بين العلمين، والذي أثمر عن مواليد نفعت الأمة، كجمع أحاديث الأحكام، وفقه الحديث، وجمع الأحاديث النبوية اعتمادا على التبويبات الفقهية. وكان لهذا الجمع الأثر الكبير في الحفاظ على الأحاديث النبوية من الضياع أو التغيير، قال ابن الصلاح رحمه الله:"ولولا تدوينه [3] في الكتب لدُرِس في الأعصر الآخرة" [4] .
وقد كان العرب قبل الإسلام يعتمدون على حفظ الصدور وقوة الذاكرة لضبط الأشعار ونحوها، ولذلك لم يهتموا بالتدوين، وسار الصحابة على هذا المنوال مع كتاب الله تعالى وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
لكن لما اتسعت بلاد المسلمين وتفرق الصحابة في الأمصار ثم ماتوا، وضعف الحفظ، احتيج إلى تدوين السنة لئلا تضيع، فانتشرت الكتابة وقاموا بتدوين القرآن الكريم، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر في تدوين الأحاديث إلى جانب القرآن خشية الاختلاط به، لكن لما أُمِن ذلك، أذن لبعض الصحابة بالكتابة. وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، اختلف الصحابة والتابعون في تدوين الحديث، ليُجمِعوا بعد ذلك على الجواز؛ حيث بدأ جمع الأحاديث وكتابتها مرتبة على الأبواب الفقهية في عهد أتباع التابعين كما فعل البخاري ومسلم، فكانوا يجمعون مثلا
(1) المرجع نفسه، 1/ 21.
(2) المرجع نفسه، 2/ 112.
(3) يريد بذلك الحديث.
(4) معرفة أنواع علوم الحديث، ص 183، مرجع سابق.