المصدر الثاني للتشريع، و على أنها حجة مثل القرآن الكريم. بل ويُحتاج في استخراج الأحكام إلى السنة أكثر من القرآن، إذ لا تعدو آيات الأحكام أن تتجاوز الخمسمائة - على قول-، في حين تعد أحاديث الأحكام بالآلاف؛ وهذا فيما يخص الكم، وأما من حيث الكيف فلا يخفى أن بعض الأحكام أتت مجملة في الكتاب فبينتها السنة، التي لولا أن تفضل الله علينا بها، لما عرفنا كيفية صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج، قال عبد الله الجديع رحمه الله: ولا شك أن السنة أساس يقوم عليه نظر الفقيه ويبني عليه اجتهاده، كالقرآن العظيم، فإن لم يتبين له ما يصح أنه سنة مما لا يصح، فعلى أي أساس سيقيم بنيانه؟
من أجل ذلك أدرك الأولون أن تمييز الصحيح من السقيم ضرورة للفقيه، ومقدمة لابد منها، فحرروا وحققوا، واجتهدوا في نخل المنقول ... وَعَدُّ معرفة ما يثبت من الحديث مما لا يثبت شرطا في المجتهد والمفتي، مما لا ينبغي أن يُرتاب فيه، فإنه إن لم يفهم ذلك صار ولا بد إلى أن يبني ويُفَرِّع على ما لا يثبت به دين من الروايات [1] .
ولا أدل على أهمية السنة في الفقه، من أن ما يقع من أخطاء في استثمارها يترجم مباشرة بأخطاء أو شذوذات على مستوى الأحكام الشرعية المبنية عليها؛ وبقدر ما يكون مع الفقيه من الأحاديث حفظا وفهما، بقدر ما يكون مبَرَّزا في نقل الأحكام واستنباطها.
فمن أهم أسباب وقوع الأخطاء الحديثية عند الفقهاء قلة عنايتهم بالحديث، لذلك نجد بعض كتب الفقه محشوة بالأحاديث الباطلة أو الضعيفة، ولهذا لا يُعتَمد على الأحاديث الواردة في كتب الفقه بل يرجع إلى كتب الحديث المعتمدة، قال أحمد الشلبي رحمه الله: { (قوله: «والموالي بعضهم أكفاء لبعض رجل برجل» ) قال السُّرُوجي لم أجده في كتب الحديث وإنما ذكر في كتب الفقه اهـ} [2] .
(1) تحرير علوم الحديث، 1/ 6،.مرجع سابق.
(2) حاشية الشلبي تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، لأحمد الشلبي، 2/ 129، ط 1، (مصر- القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، 1313 ه) .