فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 265

الخلاف هنا، ليس في الحكم على الأحاديث، إذ الفرقاء متفقون على تصحيح الحديث أو الأحاديث المستدل بها، لكنهم مختلفون في الفهم وطرق الاستنباط، وهنا أيضا حالان:

أ إما أن يختلفوا حول فهم حديث واحد، بحيث يفهمه كل فريق بفهمه الخاص الذي يحتمل التأويل، كما قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله:"أن يكون بلغه وفهم منه خلاف المراد ... لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم من غزوة الأحزاب، ووضع عدَّة الحرب جاءه جبريل فقال له: إنا لم نضع السلاح فاخرج إلى بني قريظة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أصحابه بالخروج وقال:"لا يصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة"الحديث، فقد اختلف الصحابة في فهمه. فمنهم مَن فهم أن مراد الرسول المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلمَّا حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها."

ومنهم مَن فهم: أن مراد رسول الله ألا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة فأخَّروها حتى وصلوا بني قريظة فأخرجوها عن وقتها.

ولا ريب أن الصواب مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نصٌ مشتبه. وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم .. إذن من أسباب الخلاف أن يفهم من الدليل خلاف مراد الله ورسوله" [1] ."

ب وإما أن يأتي كل فريق بأحاديث يحاج بها الفريق الآخر، ولا يعترض أحدهما على الآخر في الحكم عليها، وإنما النزاع مركوز في الأفهام، فهؤلاء يرون الجواز محتجين بحديث، وأولئك يرون التحريم مستدلين بحديث آخر، أو هؤلاء يرون الحديث الذي استدلوا به عاما، وأولئك يرون أن حديثهم يخصصه، وهكذا مع الإطلاق والتقييد وغير ذلك، وقد أجمل الإمام الشافعي رحمه الله الكلام في هذه النقطة حين قال:"فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف كما اختلفت القبلة نحو بيت"

(1) الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه، ص 20 - 21، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت