يجب على الفقيه أن يصل إلى مرتبة في علوم الحديث، تمكنه من توفير خزان مهم من الأحاديث المقبولة، تكون له زادا يخول استنباطا رصينا للأحكام، ويحميه من الوقوع في الأخطاء الحديثية. وحتى يصل إلى هذا المستوى المرغوب، وجب عليه إتباع منهج علمي مدروس، يضعه أهل العلم والخبرة؛ وأمثلة ذلك كثيرة تختلف حسب المشايخ والمكونين، لكن غالبها مثمر يصب في قالب واحد، وحسب بحثي المتواضع توصلت نَهْلًا منهم إلى منهج مقترح للتكوين في الحديث بما يناسب الفقه.
وأردت هنا أن أضرب مثالا لمنهج في الحديث، يتبعه من يتصدى للفقه، ليبلغ مراده وينجح في الاستثمار السوي للحديث في الفقه، عنوته بمادة الفقه الحديثي أو الحديث الفقهي، والفقه الحديثي أقرب والله أعلم لأن هدفنا هنا هو الفقه المستند للحديث؛ قال الخطابي رحمه الله:"... ورجوت أن يكون الفقيه إذا ما نظر إلى ما أثبته في هذا الكتاب من معاني الحديث، ونهجته من طرق الفقه المتشعبة عنه، دعاه ذلك إلى طلب الحديث وتتبع علمه؛ وإذا تأمله صاحب الحديث، رغبه في الفقه وتعلمه" [1] .
وليس معنى هذا أن المطلوب هو استيعاب السنة كاملة والإحاطة بها، فمعلوم أن هذا متعذر، إنما المراد هو معرفة جلها ومعرفة طرق الوصول إليها ومظانها، قال المعلمي رحمه الله:"وقد قدمنا أن العالم لا يكلف جمع السنة كلها، بل إذا كان عارفًا بالقرآن وعنده طائفة صالحة من السنة بحيث يغلب على اجتهاده الصواب كان له أن يفتي، وإذا عرضت قضية لم يجدها في الكتاب والسنة سأل من عنده علم بالسنة، فإن لم يجد اجتهد رأيه" [2] .
(1) معالم السنن، 1/ 5 - 6، مرجع سابق.
(2) الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، ص 51، مرجع سابق.