تحرير محل النزاع: أولا: في حال الإذن: إذا أذن المرتهن للراهن في الرهن جاز ويفسخ الرهن الأول [1] ؛ لأن المرتهن تنازل عن حقه ورجعت العين لمالكها، وهو الراهن.
وأما المرتهن فلا يجوز له أن يرهن ولا يصح [2] ؛ لأنه لا يملك الرهن، ولأنه متى كان الحق دينًا فالانتفاع بالرهن يؤول إلى الربا؛ لأنه قرضٌ جر نفعًا، وفي قولٍ عند الحنابلة يصح ذلك ويصير الرهن عارية عنده [3] .
ثانيا: في غير حالة الإذن هل يجوز للراهن أو المرتهن أن يرهن الرهن؟
على قولين:
القول الأول: لا يجوز ولا يصح، وهو مذهب الحنفية [4] والشافعية [5] والحنابلة [6] .
القول الثاني: أما رهن الراهن فإذا كانت قيمة المرهون أكثر من الدين جاز أن يرهن ما زاد عن الدين رهنًا ثانيًا برضا المرتهن الأول، وهو مذهب المالكية [7] ، أما رهن المرتهن فقال مالك في من ارتهن رهنًا فباعه أو رهنه: (إنه يرده حيث وجده فيأخذه ربه ويدفع ما عليه فيه، ويتبع الذي اشتراه الذي غَرَّه فيلزمه بحقه) [8] ، وهذا يفيد موافقة الجمهور.
الأدلة: أما وجه الجواز مع الإذن فواضح وسبق نحوه مرارًا، وأما في غير حالة الإذن فما يلي:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أما الراهن فلا يجوز له أن يرهن المرهون؛ لتعلق حق المرتهن به، قال في"الأشباه والنظائر": (المشغول لا يشغل، ولهذا لو رهن رهنًا بدينٍ ثم رهنه بآخر لم يجز في الجديد) [9] .
(1) نصَّ عليه بعض الفقهاء وهو مقتضى مذهب سائرهم: نهاية المحتاج 4/ 155، الفروع 6/ 396، كشاف القناع 8/ 176، قال في"المغني"6/ 483: (وإن أعتقه بإذن المرتهن فلا نعلم خلافًا في نفوذ عتقه على كل حال) ويحتمل إلحاق الرهن به، وفي"المعايير الشرعية"، معيار الضمانات ص 59 جواز إيقاع أكثر من رهن على عين بشرط علم المرتهن اللاحق.
(2) بدائع الصنائع 6/ 230، البيان 6/ 33، واستثنى الحنفية ما إذا رهن المرتهن وأجازه الراهن، ويُنظر المراجع التالية.
(3) تقرير القواعد 1/ 263،260.
(4) بدائع الصنائع 6/ 231، وذكر أن الراهن بالخيار إن شاء ضمَّن المرتهن الأول وإن شاء ضمَّن الثاني، حاشية ابن عابدين 10/ 130، حاشية الطحطاوي 4/ 247.
(5) الأم 3/ 154، الوجيز 1/ 331، نهاية المحتاج 4/ 155.
(6) المغني 6/ 448، المحرر 1/ 490، كشاف القناع 8/ 175.
(7) المدونة 6/ 321، الشرح الكبير 3/ 237 مع الدسوقي، الشرح الصغير 2/ 110 مع الصاوي.
(8) المدونة 6/ 327، قارن بكتاب الرهن في الفقه الإسلامي ص 613 - 614.
(9) الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية ص 334.