قول بعض الفقهاء بعدم جواز إبضاع المضارب برأس المال إلا بإذن رب المال فيظنه عامًا أو في أصل حكم الإبضاع [1] ، وليس كذلك؛ لأن معناه أن عقد المضاربة لا يُخوِّل العامل أن يبضع رأس المال، لا أن الإبضاع في ذاته ممنوع.
صورة المسألة: إذا دفع رجلٌ مالًا لعامل ليتجر به ويردَّ المال وربحه له، فهل يجوز للعامل أن يدفع هذا المال لثالثٍ ليتجر به ويرده وربحه أو يلزم العامل أن يتجر بنفسه؟
الحكم:
1.إذا لم يأذن رب المال في إبضاع العامل فيحتمل احتمالان:
الاحتمال الأول: عدم الجواز.
وهو مقتضى قول فقهاء المذاهب الأربعة، تخريجًا على المضاربة [2] والوكالة [3] .
الاحتمال الثاني: الجواز.
2.وإن أذن له أن يبضع إذنًا صريحًا جاز، فإن أذن له إذنًا حكميًا أو عامًا -كأن يطلق له الحرية في التصرف- فيحتمل احتمالان تخريجًا على المضاربة:
الاحتمال الأول: الجواز، تخريجًا على قول الحنفية [4] والحنابلة [5] .
الاحتمال الثاني: عدم الجواز، تخريجًا على قول الشافعية [6] .
الأدلة:
أولًا: دليل عدم الجواز إذا لم يأذن رب المال -سواء صرح بالنهي أو لم ينه ولم يسمح- قول الله - سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} النساء: (29) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» [7] ، وقياسًا على المضاربة.
ثانيًا: دليل الجواز مع عدم الإذن: أن العامل متبرع، فإذا لم ينهه رب المال جاز له أن
(1) الإنصاف 14/ 33، وغيره.
(2) المبسوط 22/ 9، بدائع الصنائع 6/ 150، المدونة 6/ 26 - 28، التاج والإكليل 7/ 455، المهذب مع تكملة المجموع 16/ 44، نهاية المطلب 7/ 494، المغني 7/ 158، كشاف القناع 8/ 485، 505.
(3) الحاوي الكبير 6/ 518، المغني 7/ 207.
(4) بدائع الصنائع 6/ 150.
(5) المحرر 2/ 15 - 16، الشرح الكبير 14/ 94.
(6) المضاربة للماوردي (من الحاوي) ص 199.، ويمكن تخريج المسألة على توكيل الوكيل أيضًا، فيجوز بلا خلاف.
(7) سبق تخريجه ص 176.