فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 114

غيرك, والمحكم عندك قد يكون متشابهًا عند غيرك.

ولهذا نقول: إن القرآن لا يوجد فيه تشابه مطلق, يخفى على كل أحد, ولكن يوجد تشابه نسبي, فقد يكون التشابه عندك لكنه يكون محكمًا عند فلان, وبعض العلماء يقول: يوجد تشابه مطلق، ولكن هذا التشابه المطلق هو نادر أراد الله عز وجل به حكمة وهو الإعجاز, ويجعلون من ذلك الحروف المقطعة ونحوها, ولكن لو نظرنا في آثار السلف نجد أن من المفسرين من بين معنى الحروف المقطعة, فهي عنده محكمة, فمنهم من يرى أنها من أسماء الله, وهذا جاء عن عبد الله بن عباس كما رواه ابن جرير الطبري و ابن أبي حاتم من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس، ومنهم من يرى أنها من باب الإعجاز, ومنهم من يرى معناها أن القرآن مركب من حروف, وهذه الحروف هي على هذا النوع, فأتوا بتركيب ليوافقوا كلام الله سبحانه وتعالى من جهة إعجازه وبيانه, ومنهم من يتوقف في ذلك ويقول: إن هذا من المتشابه.

ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران:7] , ولم يقل سائر الناس, وإنما الذي في قلبه مرض, فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] , وهذه الشبه التي تؤخذ من القرآن وتوافق الهوى إذا اجتمع فيها أمران فإنها تفسد على الإنسان دينه:

الأمر الأول: أن يكون الناظر في القرآن صاحب مرض سابق قبل النظر في القرآن, فهو لديه شيء ويريد أن يبحث عن مؤيد, فهو مؤصل من قبل ويبحث عن الدليل فقط, ولا يريد تأصيلًا من القرآن, فحينئذ سيأخذ الدليل باجتزائه.

الأمر الثاني: أن يأخذها عن طريق الاجتزاء لا عن طريق التتبع الكامل, والاجتزاء: أن يأخذ الإنسان ما يوافقه ويدع الذي لا يوافقه، كما قال تعالى: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] , فمثلًا: فلان يتبع أثر فلان؛ لأنه يريد فلانًا, والآثار الذي عن يمينه ويساره يدعها، كالقائف الذي يتتبع الآثار أو نحو ذلك فهل يتتبع أثر رجل أو كل الرجال؟ يتتبع أثر رجل واحد, ويصل إلى غايته, لكنه إذا وجد ما لا يريد تركه وغض الطرف عنه, ولهذا قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] , فهم يتبعون ما تشابه, وأما المحكم الذي يزيل الإشكال يتركه, لا يريدون هذا الأمر, ولهذا يوجد الزيغ في قلوبهم.

وهنا قال المصنف: (وزيغ محدثات الضالين) , محدثات الضالين: هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم, ويقول: (قد شرحت لك منهاجًا موضحًا, لم آل نفسي وإياك فيه نصحًا, بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت