فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 114

هي الجنة التي يئول إليها الخلق بعد ثوابهم وبعد حسابهم في الآخرة أم هي جنة أخرى؟ اختلفوا في هذه المسألة على قولين:

منهم من قال: هي الجنة التي يئول إليها المؤمنون, ومنهم من قال: إنها جنة أخرى, وكونها جنة أخرى يحتاج في ذلك إلى دليل من الوحي صحيح صريح.

يقول: (وقبل ذلك للأرض خلقه) , يعني: أن الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق آدم ويسكنه الجنة قدر عليه وعلم سبحانه وتعالى أنه سيئول أمره إلى الأرض, وستكون في ذلك ذريته, والله سبحانه وتعالى لا يكون شيء إلا وقد سبق في علمه جل وعلا, وإذا كان هذا في آدم فإنه في ذريته كذلك, لذا قال: (وقبل ذلك للأرض خلقه) .

... ابتلاء الله لآدم عليه السلام بالشجرة

قال المصنف رحمه الله: [ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها, ثم ابتلاه بها نهاه عنه منها، ثم سلط عليه عدوه فأغواه عليها] .

وقوله: (ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها) , فيه أن الله سبحانه وتعالى يخلق عباده ويقدر أشياء سبحانه وتعالى عليهم, ويكون في سابق علمه سبحانه وتعالى وقوع ذلك منهم, لحكمة يريدها الله جل وعلا, والحكمة في ذلك مفوضة إلى الخالق سبحانه وتعالى, ولهذا مع علم آدم عليه السلام بأن الله عز وجل قدر عليه ذلك إلا أنه التمس التوبة من الله جل في علاه, وذلك مما وقع منه من أكله من الشجرة.

فالشجرة التي نهى الله سبحانه وتعالى آدم وزوجه عن أكلها، نهاه الله عز وجل عن أكلها وعن قربها, وذلك أن القرب يفضي إلى الأكل, وفي هذا يُعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا نهى عن شيء نهى عما يفضي إليه ولو لم يكن من جنسه, ولهذا نهى الله سبحانه وتعالى آدم عن قرب الشجرة, وكذلك نهى الله سبحانه وتعالى عن الخمر وعن قربها والدنو منها؛ حتى لا يسول للنفس الطمع فيها فيقع الإنسان في شربها, ولهذا نهى الله عز وجل عن قرب أشياء ولم يُكتفِ بالنهي عن الملابسة, كما نهى الله سبحانه وتعالى عن القرب للفواحش؛ لأن القرب منها تقريب لداعي النفس للوقوع فيها, فالقرب للفواحش من إطلاق البصر, والخلوة, والاختلاط, والتبرج, والسفور, وغير ذلك من الأمور التي تفضي إليها, فهذا تقريب لها, ولهذا ما من شيء حرمه الله إلا وقد جعل ذرائع موصلة إليه محرمة حتى لا تفضي إليه.

يقول رحمه الله: (ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها) ابتلى الله سبحانه وتعالى آدم بالأكل من الشجرة, امتحانًا منه واختبارًا له ولذريته, ومع وقوع ذلك إلا أنه وزوجه طلبا المغفرة من الله سبحانه وتعالى, والله جل وعلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت