فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 114

صلاة الليل بقوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما اختلفوا فيه) , فلننظر ماذا قال, قال: (عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك) , أي العباد؟ العباد السابقين والحاضرين واللاحقين, (فيما اختلفوا فيه) ؛ لأن حكم الله عز وجل في غاية الإحكام والدقة لكمال علمه سبحانه وتعالى للغيب والشهادة, ولهذا لما ضعف هذا الإيمان أو غاب لدى كثير من الخلق من الحكام، أو المفكرين، أو العلماء ضعف لديهم تناول حكم الله وأنه لا يصلح اليوم ويصلح للأمس, وضعف لديهم كمال علم الله سبحانه وتعالى في هذا الباب, وأن الله سبحانه وتعالى ما أنزل حكمه لكون هؤلاء حاضرين, وإنما أنزل حكمه لأمة محمد من أولهم إلى آخرهم ليعلمهم على حد سواء, فلا يزيد علم المشاهد لمشاهدته, ولا يضعف علم الغيب لمغيبه وعدم شهوده.

... كمال عزة الله من أن يبلغه ضر عباده

يقول المصنف رحمه الله: [بعيد بالتعزز لا ينال] الله سبحانه وتعالى عزيز وعزته عن عباده يظهر فيها كمال الغنى وكمال حاجة عباده له, فتظهر العزة بكمال غنى الله سبحانه وتعالى عن عباده, وكمال فقر العباد لربهم سبحانه وتعالى, ولكنه يُوجد في عباده أسبابًا ومشيئة يكسبون بها، فيغترون بهذه القدرة التي أعطاهم الله عز وجل ليكسبوا بها, وإلا فالله سبحانه وتعالى يجعل من المخلوقات ما لا قدرة لها من جهة الحياة والموت فيرزقها عز وجل ويحييها ويميتها, فجعل الله عز وجل للعباد من جهة النوال في الأرض وكذلك القدرة, فظنوا أن هذه القدرة التي أوتوها من جهة التكسب عزة تضاهي عزة الله سبحانه وتعالى, فاغتروا بما آتاهم الله عز وجل من نوال.

والله سبحانه وتعالى يضرب لعباده مثلًا في النبات, فالنبات ليس له تدبير يذهب ويقتات، والله عز وجل هو الذي يغرسه، وينبته، ثم يظهره من ثماره، ثم يسقطه ويعيده في دورة الحياة بلا حركة في ذاته, وما جعله للإنسان في ذاته من جهة الأخذ بالأسباب هو مشيئة يسيرة يأخذ بها الإنسان من جهة السبب والتكسب والمعيشة, وقد رزق الله سبحانه وتعالى من دونه وأحياه حتى كمل وأماته, بل جعل لبعض الشجر أعمارًا لم تكن للإنسان, يشاهده أجيال وهو قائم, يسقيه الله سبحانه وتعالى ويحفظ حياته ويجعل له آجالًا بلا سبب, فإذا كان هذا ممن ليس له قدرة، فينبغي للإنسان الذي له قدرة أن يعلم أن الله عز وجل يبتليه ويفتنه بالقدرة التي آتاه الله عز وجل إياها.

ولهذا أعظم الناس ضلالًا أكملهم عقلًا إذا انحرف, وأقلهم عقوبة عند الله سبحانه وتعالى أضعفهم عقلًا إذا انحرف؛ لضعف السببية الموجودة لديه من جهة الأخذ بالتكسب ولضعف اغتراره بعزة ذاته, ولهذا نقول: لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت