ولو نظروا في تكملة الآية: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] , للزمهم أن الرجل إذا ضرب أمه وأباه أنه بار بهما؛ لأن الله قدر عليه هذا الشيء, ولا يقول بذلك عاقل, فالذي قدر عبادة الله هو الذي قدر طاعة الوالدين, إذا كان قضى بمعنى قدر، والحق في تفسير القضاء هنا أنه على نوعين: قضاء قدري كوني, وقضاء شرعي, والقضاء الشرعي هو المراد في هذه الآية, وعليه فقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] , يعني: وصى وأمر؛ كما فسر ذلك جماعة؛ كعبد الله بن مسعودوعبد الله بن عباس وغيرهم, أي: أمركم الله بتوحيده سبحانه وتعالى وببر الوالدين, ولكن قد يقع من العباد شيء من ذلك بإذنه سبحانه وتعالى.
وقد أوغلوا في هذا الباب حتى دخلوا في تعطيل أحكام الله سبحانه وتعالى, مثل: كيف يقتص من الضارب, وكذلك أيضًا في مسائل النكاح، وقالوا: إنه يكون النكاح فيما شاء, بل بالغوا في هذا الأمر حتى قالوا بالحلول والفناء في بعضهم, يعني: أن الكون قطعة واحدة, فلم يكن ثمة مقام للتحريم, فحتى يتخيل بعضهم أن الذي أمامه هو, وأنه هو الذي أمامه, وقد ذكر بعض الأئمة أن أحدهم كان واقفًا على نهر فسقط صاحبه بجواره فلحقه، فقال: سقطت أنت فظننت أنك أنا, وهذا نوع من الهوس في هذا الباب, فبدءوا من الضلال بنفي العلو، وانظر إلى أين تسلسوا وانتهوا في هذا.
ولهذا نقول دائمًا: إن البدعة في بدايتها لا ينظر الإنسان إلى لوازمها ثم تنتهي به إلى ضلال, قد لا تنتهي به في العقد الأول ولا العقد الثاني, بل تنتهي به إلى ما بعد ذلك, أما العقيدة الصحيحة فهي سالمة، تلتزم بها ولو مضى عليك قرون, انظروا إلى بدعة الرفض مثلًا, بدءوا في مسألة عصمة الأئمة, وأن الإمام هو النائب عن الله وهو الذي يبلغ عن الله؛ لأنهم يحتاجون إلى مشرع, إذا كذبوا الصحابة وافتروا عليهم فيحتاجون إلى مشرع يبلغ عن الله, من أين يأخذون الشريعة؟ يأخذونها من الإمام, فجعلوا عصمة الأئمة, وُجد الإمام, وُلد للثاني, وُلد للثالث, وُلد للرابع, وجدوا إمامًا لم يولد له, توقفوا, حينئذ تعطلت مسألة التشريع, هل يرجعون إلى صحة العقيدة؟ كابروا وأحدثوا مسألة الغيب, قالوا: وُلد له ولكنه دخل في السرداب, ثم دخلوا في هذه الدائرة إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى.
ولهذا نقول: إن عقائد الضلال يتولد فيها الضلال, ولهذا تشعب الضلال عند الرافضة, هل دخل في السرداب, أو بقي لديهم؟ وإذا دخل في السرداب من الوسيط إليه؟ كل يبتكر أنه رآه, وأصبح الوسائط لديه شعب, فلا أحد يستطيع أن يكذب هذا؛ لأنه لو كذبتني كذبتك, فاسكت عني أسكت عنك, كل يلتقي به ويسكت الدجال هذا عن هذا الدجال, وبقوا في دين من الخرافات في هذا الباب, ولهذا نقول: إن العقائد الفاسدة تنتهي إلى ما لا نهاية له من أمور الفساد, والعقائد الصحيحة تبقى على صواب ولا يحدث فيها فساد