قوله: (بائن من خلقه) يريد العلماء عليهم رحمة الله تعالى بهذه المسألة تقرير جملة من المعاني, منها رد ما يقول به الحلولية من الجهمية الذين ينفون علو الله سبحانه وتعالى, وإذا سئلوا عن الله قالوا: هو في كل مكان, فإن سئلوا عن كل مكان, تدرجوا في هذا الأمر فقالوا: هو حال في كل شيء, حتى أن منهم من يبالغ في ذلك ويقول: إن الله حال في ذواتنا, وتسلسلوا في هذا.
والأصل في هذه البدعة المضلة هو نفي استواء الله عز وجل على عرشه, بدءوا من هذه المسألة فنفوا استواء الله عز وجل على عرشه وتأولوه على جملة من المعاني, وحملهم ابتداءً ربما ورع، وربما إفساد لدين الله عز وجل بالهوى, ومنهم من يروم حسن القصد بتنزيه الله عز وجل عن عدم العلم بعباده, والحق أنه لا يلزم من علم الله عز وجل بعباده أن يكون حالًا في مخلوقاته سبحانه وتعالى, بل كمال العلم في ذلك أن الله عز وجل يعلم ما كان وما يكون, سواء أمر الغيب وأمر الشهادة, وسواء كان عبده قريبًا منه أو لم يكن قريبًا منه, فلله عز وجل الكمال في ذلك, ثم لما نفوا علو الله عز وجل واستواءه سئلوا: أين الله إذًا؟ فقالوا: الله عز وجل في مكان, ثم توسعوا في هذا, فقالوا: الله في كل مكان؛ ويلزم من هذا أنه موجود في الجمادات, وموجود في البشر, وموجود في كذا, فتوسعوا في هذا, حتى سئلوا: أين الله؟ فقالوا: حال في ذواتنا, بل حتى التزموا فيما هو أبعد من ذلك في مسألة حلول الله عز وجل كحلوله فيما يستقذر, هل الله حال فيه، كالمزابل وغيرها, وكذلك أيضًا يستوحش الناس منه في أمور المقابر أو الحمامات أو غير ذلك, تعالى الله عز جل عن ذلك علوًا كبيرًا, فبلغ بهم الضلال في هذا الباب حتى قالوا: ما في الجبة إلا الله, ومنهم من بلغ في ضلاله أن يمر بجيفة كلب فيقول: الله هاهنا, يعني: أن الله عز وجل يحل في هذه الأشياء, فأوغلوا في هذا حتى كان بشر المريسي لشدة انحرافه وإيمانه بهذا الضلال إذا سجد يقول: سبحان ربي الأسفل, تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا؛ لنفيه علو الله عز وجل على عرشه, وهذا كفر بالله سبحانه وتعالى.
ولهذا نقول: إن المؤمن لا يسلم له دينه حتى يمر نصوص الشريعة كما جاءت، فيثبت لله عز وجل علوه واستواءه سبحانه وتعالى على عرشه, ويثبت لله عز وجل علمه وإحاطته بخلقه وكماله سبحانه وتعالى في ذلك, ويمسك عما عدا ذلك, فالالتزام في أمثال هذه التفاصيل أدخل كثيرًا من الطوائف في دائرة الزندقة والإلحاد, حتى إن منهم من نفى الكفر فجعل الناس كلهم مؤمنين وكلهم في الجنة, فيقول: إذا كان الله عز وجل يحل في عباده وحال في كل مكان فكيف يعذب الله عز وجل من هو حال فيه.
وكذلك أيضًا في الأصنام, إذا كان الله عز وجل يحل في كل مكان فيلزم من ذلك أنه حال في الأصنام، فمن سجد لصنم فهو يسجد لله, فهو ما عبد إلا الله, ثم يبحثون التماس الأقوال في هذا الأمر, فيلتمسون في قول الله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] , فيقولون: قضى يعني: قدر, فالله قدر على عباده أن يعبدوه سبحانه, فمن سجد لصنم فلا يعبد إلا الله؛ لأن الله قدر عليه,