فهرس الكتاب
الله عليه وسلم ولي أمر المسلمين وهو أعلمهم بالله سبحانه وتعالى, وكذلك فإن الولاية من بعده في أعلم الناس، من جمع الحكم والأمر والسلطة، وجمع كذلك أيضًا العلم بالله سبحانه وتعالى؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ومن جاء بعدهم كذلك، ولكن لما تقادم الأمر في الأمة بدأ يضعف في هذا الأمر اجتماع السلطة والحكم والعلم في شخص واحد، فانشق الأمر وضعف شيئًا فشيئًا حتى أصبح العلم يكون في أفراد، والسلطة والأمر تكون في أفراد, فنشأت كثير من الإشكاليات في هذا الأمر.
والنصوص الشرعية إنما توجهت بالطاعة لمن يجتمع فيه العلم الحكم والأمر، وفي حال انفصال ذلك؛ بأن كان صاحب أمر وسلطان وحكم، ولم يكن صاحب علم، نقول: إنه داخل في مجمل الحكم فيما يوافق حكم الله عز وجل فيه، وبقدر موافقته وأمره بطاعة الله عز وجل ولو لم يكن عالمًا فيطاع فيما أمر الله عز وجل به، ويخالف فيما يأمر به من معصية الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة بالمعروف) ، يعني: لا يطاع فيما يأمر به من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا من جهة عمل الأفراد، مما يؤمر به الناس.
وأما بالنسبة للخروج عليه، فيأتي كلام المصنف رحمة الله تعالى عليه، وطاعة الأمير فيما يأمر الله عز وجل به من طاعة الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح قال: (من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله) ، وذلك لأنه يكون به مصلحة الأمة واجتماع الأمر، وكذلك أيضًا الحكم والقضاء، فعقيدة السلف الصالح وأهل السنة في ذلك أن السمع والطاعة لأولي الأمر في منشطهم ومكرههم ما قاموا في ذلك بكتاب الله سبحانه وتعالى، ولو كان في ذواتهم شيء من التقصير، من الفسق أو عدم المروءة ما لم يكن في ذلك كفر بواح، فيصلى خلفهم، ويغزى كذلك معهم, ولو كانوا فساقًا، ويحرم الخروج عليهم ما لم يكفروا كفرًا بواحًا.
وأما إذا كان الحاكم ليس بعالم، فإنه يطاع ويسمع له فيما يوافق أمر الله سبحانه وتعالى، ويعصى فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، وما أمر به مما لم يرد فيه دليل لا في إباحة ولا في حظر، لا في أمر ولا في نهي فإنه يطاع في ذلك وجوبًا؛ ليستقيم أمر الناس فيه، لأنه لم يأمر بمعصية، ولا يجوز للإنسان أن يبقى وليس في عنقه بيعة لإمام من أئمة المسلمين ما وجد في ذلك إمامًا مسلمًا، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيد ذلك وبيانه في أحاديث كثيرة، ويأتي الإشارة إلى شيء منه.
... المقصود بأولي الأمر في الشريعة