الباطل ويسكت عن إنكاره، فإن الناس يقتدون به.
ويظهر التأثير على الهجران في تأثير الإنسان الأقوى على الأضعف، كتأثير الأب على ابنه، أو الكبير على الصغير، أو الرفيع على الوضيع، أو الغني على الفقير، أو غير ذلك، فإن هذا يؤثر، ولهذا ابن عمر عليه رضوان الله لما حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله, قال ابنه له: والله إنا لنمنعهن، فقال: أحدثك عن رسول الله ثم تقول: إنا لنمنعهن، والله ما كلمتك أبدًا) ، وهذا هجران أب لابنه فيه شدة ألم عليه، كذلك أيضًا في حديث الخذف وهو في الصحيح، قال: (أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تخذف, والله ما كلمتك أبدًا) ، وهذا من هجران الأب لابنه، وأيضًا القوي لمن دونه، والكبير للصغير، كذلك أيضًا هجران لأنداد، فيتأثر الإنسان إذا هجره الواحد والاثنان والثلاثة ويضعف؛ لأن الإنسان يتوجه إلى أمر المخالطة، وربما لا يكون الهجران تأديبًا للمهجور، ولكن حماية لدين الإنسان، لأنه ربما كان من أهل الشبهات والكيد والتلبيس فيتأثر الإنسان به لضعف دينه.
قال رحمه الله: (ويحتقر وتجتنب غدته) ، يعني: البدعة، والضلال الذي جاء به، أما بالنسبة للاحتقار، فالمعني المراد بذلك أنه لا يقدم على المسلم، ولهذا يقول: الله سبحانه وتعالى في المرأة قال: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [البقرة:221] ، ويقول الله جل وعلا في العبيد: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة:221] ، يعني: قد يوجد عجب قلبي بامرأة أو برجل لكن لتعلم أن الميزان ميزان إيمان؛ والسبب في ذلك: أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ [البقرة:221] ، يعني: أن الله سبحانه وتعالى جعل المعيار هو معيار إيماني، وليس المعيار المادي الذي يكون مما يراه الإنسان، فينبغي ألا يغلب على هذا الأمر، ولكن الله سبحانه وتعالى حينما أثبت الوجود القلبي للعجب كالاستحسان ما أنكره لذاته، وإنما أنكر الله عز وجل الانسياق له.
فقد ينبهر الإنسان ويعجب بشخص لدرايته، أو لمظهره، أو حذقه، أو لماديته، أو نحو ذلك، وهذا أمر فطري أوجده الله عز وجل في الإنسان، ولكن الخلل في ذلك هو العمل به، ويظهر هذا الاختلال في أن يقدم الكافر على المسلم عند المزاحمة، وإلا فالأصل أنه يجوز للمسلم أن يتبايع مع المشرك، كما تبايع النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود، فقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي) ، كذلك زارع النبي صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل خيبر، وهذا نوع من التعامل في أمر المتاجرة، فيجوز أن يتخذه أجيرًا، ويجوز أيضًا أن يستأجر نفسه عنده، وذلك بالعمل، فيعمل مثلًا بصناعة أو بحرفة إذا لم يجد عملًا, ويأخذ أجرته ولا صلة له في ذلك، فالتعامل