قال رحمه الله: [وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، وقد شرحت لك منهجًا موضحًا لم آل نفسي وإياك فيه نصحًا، بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد] .
قوله هنا: (أمرًا تصبر به نفسك على التمسك به، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل) , وهنا الإنسان إذا استمسك بالسنة يصبر بها نفسه عما ينازعه, وما ينازع الإنسان في ذلك من الحق ثلاثة: ينازعه شيطان الجن, والثاني شيطان الإنس من أقاويلهم وزخرفهم, والثالث هي نفسه الأمارة بالسوء, باعتبار الخطرات والأهواء والرغبات ونحو ذلك, ولهذا ما من أحد تستبين له السنة إلا ويجد ما ينازعه فيها من هذه الثلاثة, كما في جاء حديث المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) , فالنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر السنة ذكر شيئًا يحذر به مما يخالفها, قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) , فقال هنا: (عليكم) وهي من صيغ الوجوب, وهي كافية بالأمر, ولكنه قال بعد ذلك: (تمسكوا بها) , والإنسان إنما يتمسك بالشيء لوجود منازعات في اتباعه, وكذلك أيضًا في هديه.
(تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) , يعني: أنه لا يكفي للإنسان أن يتمسك بها بيديه, بل يعض عليها بنواجذه لوجود من ينازعه إياها, وهذا نوع من أساليب البلاغة البديعة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اكتفى بالأمر بالتمسك بالسنة, بل حذر من ضدها, وبين وجود من ينازعك إياها, وأن الإنسان كلما نوزع في شيء فإنه يستمسك به أكثر؛ فمثلًا: إذا وجدت شخصًا ينازعك مالًا أو ينازعك ثوبًا أو ينازعك كتابًا فإنك تتمسك به أشد من تمسكك بشيء لا ينازعك فيه أحد, وربما وضعته وتركته؛ لأنه لا يوجد من ينازعك إياه, وأما إذا نوزعت في ذلك فإنك تستمسك به خشية وجود المنازع, والنبي صلى الله عليه وسلم ما قال: (عليكم بسنتي) فقط, بل قال: (تمسكوا بها) , لوجود من ينازعك إياها.
ثم قال: (وإياكم ومحدثات الأمور) , فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين وجوه المنازعة هنا وصورها على وجه التفصيل؛ وهي محدثات الأمور, وهي البدع, التي قال الله سبحانه وتعالى فيها: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] , وقد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر قال: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153] , قال: السبل: هي البدع والشبهات التي تحرف الإنسان عن طريق الحق.
فما يحرف الإنسان عن طريق الحق على نوعين: