وأذن الشارع لنا بالحكم بالإسلام والكفر، ولم يأذن الشارع لنا بالحكم بالجنة والنار؛ لأن الجنة والنار أمرهما إلى الله لا إلى البشر, وأما الحكم بالإسلام والكفر فهو إلى الناس، به يقضون، وبه يعدلون, وبه قبول الشهادة, وبه قبول القتال أو عدمه, وبه الجزية وعدمها, وبه المواريث، وبه المناكحات, وغير ذلك من مسائل الدين التي ترتبط بالحكم الظاهر.
أما أمر الجنة والنار فليس للناس في ذلك شأن, فهم إلى الله سبحانه وتعالى, فقد يحكم على أحد وتُنزل عليه أحكام الإسلام في الظاهر وهو من أهل النار, وقد يحكم على أحد في الظاهر بأحكام الكفر وهو من أهل الجنة؛ لأن الناس يحكموا على الظاهر, فربما حكموا على ظاهر أحد بالكفر وهو معذور بظاهره, عذره الله سبحانه وتعالى في أمر غاب عن الناس, وربما حكموا على أحد بالإسلام وهو يبطن الكفر, أو ربما ظهر منه الإسلام ثم ختم الله له بالكفر, أو ظهر منه الكفر ثم ختم الله له بالإسلام؛ كما جاء في حديث سهل بن سعد, وكذلك أيضًا في حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها, وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) , وفي حديث سهل في الصحيح بلفظ: (فيما يبدو للناس) , يعني: أنه كان مظهرًا, ظهر منه الكفر فيما يبدو للناس, لكن من جهة الحقيقة هو مسلم, والذي حمله على هذا الكفر إما جهل أو غيره, فحكم عليه بظاهر أمره, وأخذ عليه بالأحكام, أو كان منافقًا في دائرة الإسلام فأظهر الإسلام أبطن الكفر, فهذا أمره إلى ما ختم الله عز وجل به, إما بعمل النار أو بعمل أهل الجنة.
وفي هذا أيضًا أن الناس مأمورون بالعمل بالظاهر, ولا يؤاخذون بسرائر الناس, وينزلون الأحكام عليها, فإذا ظهر من أحد الكفر يؤخذ به, ما لم تقم القرائن القوية الدافعة له في ذلك.
قال المصنف رحمه الله: [والقرآن كلام الله عز وجل ومن لدنه, وليس بمخلوق فيبيد] .
... تعريف القرآن وأصل اشتقاقه
وهنا يقول رحمه الله: (والقرآن كلام الله عز وجل) , والقرآن هو كتاب الله سبحانه وتعالى الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم, وهو يوصف بوحي الله, وكلام الله, وقول الله, ويوصف أيضًا بما وصفه الله عز وجل أو سماه الله سبحانه وتعالى به؛ كتسميته بالقرآن, وبالكتاب, وبالفرقان, وبالنبأ, وغير ذلك مما