فهرس الكتاب
أو الثانية فسلم من المغرب بركعتين, ولم يأت بالثالثة, فليست هي المغرب وذاك ليس الإيمان.
ولكن ما هو العمل الذي يثبت به الإيمان؟ نقول: العمل الذي يثبت به الإيمان هو ما انفردت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولهذا نقول: إن العمل الذي يؤجر عليه الإنسان على نوعين:
النوع الأول: ما اتفقت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم مع الشرائع السابقة, مما دل عليه الشرع أو دل عليه الطبع, فما دل عليه الشرع من سؤال الله المغفرة, أو مثلًا الصدقة, فالصدقة موجودة في شريعة محمد وشريعة موسى وشريعة عيسى, فهي من جملة الأعمال التي دلت عليها الشرائع.
وكذلك ما دل عليه الطبع أنه لا بد أن يكون موجودًا في سائر الشرائع ولو لم يدل عليه النص, فما دل الطبع والفطرة على استحبابه واستحسانه؛ كإغاثة الملهوف, ودفع الأذى عن الناس, والإحسان إلى الأقربين, وإكرام الضيف, والإحسان إلى الجار, وغير ذلك من مكارم الأخلاق, هذا النوع لا يثبت الإيمان مع وجوده, وإنما يدخل في دائرة زيادة الإيمان ونقصانه.
النوع الثاني: ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم, وهذا هو المقصود عند العلماء أنه لا يصح الإيمان إلا به؛ وذلك كالصلاة, والصيام, والزكاة, والحج, وغير ذلك, فإذا أوجد الإنسان شيئًا من هذه الأعمال فهذا أمارة على أنه آمن بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم عملًا, فوجد منه شيء من العمل الموافق لشرعة محمد صلى الله عليه وسلم, ولهذا يرحم اليتيم والشيخ الكبير ويعينه في الطريق ويميط الأذى عن الطريق ويداوي الجريح, وهذا معنى دلت عليه الفطرة، ولا يمكن أن توجد شريعة لا تدل عليه من الشرائع السابقة, بل لا بد أن يأتي في الشرائع, وعليه فإن فعل هذه الأشياء ليس دليلًا على إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم.
ولهذا من الضعف والجهل من يقول: إن هذا رجل يرحم الضعفاء ويعين المحتاجين ويكرم الضيف ويحترم الناس وغير ذلك ينبغي أن يكون من أهل الجنة, ولو كفر بمحمد, هذا كلام باطل؛ لأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم اختصت بشرائع, وهذه الشرائع هي التي شملت النوع الأول وهي ما دلت عليه الفطرة مما اشترك مع الشرائع السابقة, واختصت بشيء آخر، وهي شرائع محمد صلى الله عليه وسلم التي جاء بها؛ كالصلوات الخمس, وصفة الوضوء, والصيام, وكذلك أيضًا الحج, وقد وجد في السابق, لكن زاد النبي صلى الله عليه وسلم في صفته وهيئته, فلا بد من وجود الثاني ليثبت العمل كالذي نقول في تعريف الإيمان