قال رحمه الله: [وترك الخروج عند تعديهم وجورهم, والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم] .
وهنا ذكر المصنف رحمه الله جملة من المعاني, قال: (وترك الخروج عند تعديهم وجورهم) ، وهذا الخطاب إنما يتوجه هنا إلى أولي الأمر، والأصل في الشريعة أنه إذا أطلق الله عز وجل أولي الأمر فإنه يريد بذلك الحاكم المسلم، فيتوجه إليه الخطاب من جهة الطاعة ومن جهة البيعة، ومن جهة تحريم الخروج عليه، وذلك أن الأصل في أولي الأمر في كلام الله سبحانه وتعالى أنها شاملة للعالم العارف بالله القائم بأمره, بل ما هو أعظم من ذلك الذي لو نظر في كلام الله عز وجل لعرف ما يصلح شأن الأمة منه، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] ، ولا يستنبط من ذلك إلا عالم، وكذلك أيضًا في قوله جل وعلا: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] ، يعني: من المصلين، كما جاء تفسير ذلك عن بعض التابعين.
قال رحمه الله: (وترك الخروج عند تعديهم وجورهم) ، الخروج على الحاكم المسلم الفاسق لا يجوز، وعدم جواز الخروج عليه لا يعني عدم إنكار ما وقع فيه من خطأ وخلل بالنصيحة التي أوجب الله سبحانه وتعالى أن تؤدى له؛ كما جاء في الصحيح من حديث تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) ، فينصح ويوجه ويرشد ويدل إلى الخير، وتقام عليه الحجة، ويستصلح بالسياسة الشرعية بما يستصلح به قدر الوسع في ذلك والإمكان، ويحرم الخروج عليه، وإذا وقع في شيء من المكفرات فلا يكون حينئذٍ له بيعة، ولا يكون ولي أمر، ويسمع له ويطاع فيما يتعلق بمصالح الناس، كالأوامر العامة والنظام العام في أمور المباني، والسير، والطرقات، وكذلك أيضًا أمور الأموال، والبيع، والشراء، وغيره مما لا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا يصلح أمر الناس ويثبت به أمرهم.
... حالات الخروج على أولي الأمر
وأما بالنسبة للخروج عليه فعلى حالين:
الحالة الأولى: إذا قدر الناس على إزالته لكن يترتب على ذلك مفسدة عظمى تستأصل به شوكتهم، وتفسد به حياتهم ويفنيهم، فحينئذٍ يقال: بالتحريم.
الحالة الثانية: إذا قدروا على إزالته، ومفسدة إزالته لا تساوي المفسدة التي تطرأ عليهم من تبعة ذلك,